كَلِماتٌ في كِتاب

 

" ألصَّوْتُ البَشَرِيُّ آلَةٌ عَبْقَرِيَّةٌ "

للدكتور سليم سعد

بيروت - آذار   -  2000

مقدمة           Homepage                                Contact Us               

           إثر صدور كتابنا الجديد تحت عنوان : " ألصَّوْتُ البَشَرِيُّ آلَةٌ عَبْقَرِيَّةٌ " في شهر آذار من سنة 2000 ، أقمنا له حفلاً حاشداً من أهل الفكر والعلم و الفن و الأدب لتوثيق صدوره وإطلاقه في الحياة الثقافية و العلمية للعالم العربي . و كان ذلك في دار نقابة الصحافة اللبنانية و براعية رئيس الجامعة اللبنانية الصديق الدكتور أسعد دياب ، وزير الشؤون الإجتماعية حالياً ، في التاسع عشر من شهر أيار 2000 . ونظراً لتناول الموضوع من جانب الصحافة ووسائل المرئي والمسموع بشكل واسع و بإهتمامٍ كبير أقمنا حفلاً تالياً في الشوف بتاريخ 9 حزيران 2000 في المعرض الدائم للكتاب و بدعوة من مجلس إنماء قضاء الشوف .

           و حيث أن هذا الكتاب جديد من نوعه و حديث الموضوع و نادرةٌ أشباهه من الكتب والمطبوعات و المراجع العلمية ، كان لا بد من طرحه على بعضٍ من نخبة المثقفين وأهل العلم والإختصاص بهدف التقييم والوقوف على رأيهم فيه و في ما يحتويه ، كما من الناحية العلمية كذلك من الناحية الفنية – الأدبية والثقافية العامة . خاصةً و أننا وضعناه خصيصاً لخدمة المجال العلمي و المعرفي للصوت البشري ألذي لازم  الحضارات الإنسانية و أسندت إليه فنون التعبير الأساسية في التفاهم بين البشر لدى هذا أو ذاك من الشعوب الشرقية والغربية على حدٍّ سواء .

           و كان لهذا الكتاب النصيب الكبير من الكلمات و الآراء و التقييمات في الحفلين المذكورين . حيث تكلم فيه في الحفل الأول كل من السادة : الأستاذ فوزي عابد أمين سر مجلس إنماء قضاء الشوف و عرِّيف الحفل ، ألدكتور أنيس مسلِّم عميد سابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية و نائب رئيس نقابة الصحافة اللبنانية، ألأستاذ فؤاد الخرسا رئيس قسم البرامج السياسية في تلفزيون لبنان الرسمي ، ألدكتور أسعد دياب رئيس الجامعة اللبنانية و راعي الحفل و الدكتور سليم سعد مؤلف الكتاب .

           أما في الحفل الثاني فتوالى المتكلمون كما يلي : ألأستاذ زهير الفطايري عرِّيف الإحتفال ، ألأستاذ عاصم حسن رئيس نادي بتلون الثقافي ، ألدكتور عصام نور الدين أستاذ مادة الأصوات اللغوية في كلية الآداب و العلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية ، ألدكتور فاروق سعد أستاذ مادة الإلقاء في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ، ألدكتور إيلي لحود رئيس قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة ، ثم المؤلف

           بالإضافة إلى ما قيل في هذا الكتاب في الحفلين المذكورين ، كانت للدكتور شفيق البقاعي مطالعة واسعة عن الكتاب في عددين متتاليين لجريدة الأنوار بتاريخ 21 و 23 تشرين الأول من سنة 2000  و في عدد واحد من جريدة الحياة الدولية بتاريخ 8 تشرين الثاني من العام 2000 أيضاً. كما كان للكتاب شهرة واسعة عبر أخبارٍ عن صدوره و عن حفلات التوقيع في الصحف والمجلات و المحطات التلفزيونية و من أهمها NBN , TL , LBCI ، و لا مجال لدينا في تعداد كل الصحف التي كتبت عن صدور هذا الكتاب هنا ، و سوف ندرج ذلك تباعاً في هذا الكتيب .

           كما تناولت الكتاب أهم المؤسسات التربوية في لبنان ، أي وزارة التربوية الوطنية باقسامها المتخصصة لدرسه ، و أحيل من ثم إلى المركزالتربوي للبحوث و ألإنماء حيث تقرر إعتماده كمرجع مهم داعم للمناهج التربوية في لبنان .

          و في إطار التقدير و الشكر لهؤلاء الكبار من أهل العلم و الثقافة و كافة وسائل الإعلام رأينا من الضروري أن نوثق ما قالوه و ما عبروا عنه في كتيبنا هذا ، آملين بتوفيق الله تعالى .  

وقائع حفل التوقيع الأول

في 19 أيار 2000  ألساعة 17 في دار نقابة الصحافة اللبنانية

 
كلمة الأستاذ فوزي عابد في التمهيد للمتكلمين
بعد النشيد الوطني اللبناني

 

حضرة ممثل قائد الجيش ألعميد علي بحسون

حضرة أمين عام المجلس الأعلى السوري اللبناني ألأستاذ نصري خوري

حضرة رئيس الجامعة اللبنانية ألدكتور أسعد دياب

حضرات الأساتذة و الفنانون و الأدباء و الكتاب

حضرات السيدات و السادة

           من عين زحلتا عينٌ يقظة ، غازلت نبعَ صفا ، فصفا الصوت البشري ليكوِّنَ آلةً عبقريةً . هو للجمال مفتاح ، و مفتاح الجمال لا يكتمل إلا بالمعرفةِ والثقافةِ و الخبرةِ والمتابعة . و كل ذلك لا يصل إلى الكمال إلاَّ بشخصية قوية كالدكتور سليم سعد

           ألصوت البشري آلة لاقطة مدت أسلاكها إلى رحاب الفكر تنتفض بالحياة كما ينتفض الوتر بين الأنامل ، و تبعث نغماً ناعماً ليختلج فيها كما تختلج الحياة و الألحان في هينمات الناي لتشكل البلسم الشافي لمداواة الجروح

           ألصوت البشري عنده دفقة نور تستمع إلى قيثارة الروح الإلهية ذات الأوتار العديدة و التي تتألف منها بالتالي حضارة الإنسانية كسلم نصعد به إلى الخالق بعد أن نفحها الخالق من عبقريته

           هذا هو عطر الفكر لأنه الإحساس المرهف ، لأنه الوسيط بين قوة الإبتكار والبشر. و لأنه الصوت الذي ينقل من عالم الفكر إلى عالم الروح المرتبطة بالسماء يمازجها خرير المياه و النسيم العطر مع بريق البحر و الأنهر ، حيث تتمرأى النجوم و البدر يستعرض من علوِّه سماءَه هو نوع من الصلاة القدسية 

           فكتابك " ألصوت البشري آلة عبقرية " ، من يطالعه كأنه طالع كتاب الطبيعة ، كل كلمة فيه جبل. أنت مصباحنا المتوهج بالنور . فلنجمع ضمة زهر لنصوغ لك إكليل جهدٍ وتقدير . سر على الماء كالمسيح رويداً و اجرف اليم كالشعاع الهادي . و شكراً

           نقيب الصحافة غائب و لكنه حاضر روحاً ، فنقول له الديار ديارك و الأهل أهلك و الرأي رأيك . و لن أدع قلمي يشتم ذاكرتي لأقول له : " لقد أكلت الأحداث و شربت من جسدك عرقاً و دماً . فامتشقت حسام الصحافة و امتطيت صهوة حصان الفروسية ، فإختارتك الصحافة عريساً دائماً و عرفت بإسمك " . فعند الغذاء نقول " صفيحة بعلبكية " و عند الفكر نقول " صحيفة بعلبكية "

           كلمة نقيب الصحافة الأستاذ محمد البعلبكي يلقيها نائبه و ممثله في هذا الحفل الدكتور أنيس مسلم فليتفضل .

كلمة الدكتور أنيس مُسّلِّم

صاحب المعالي رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور أسعد دياب  

حضرة ممثل قائد الجيش العميد علي بحسون

أيها السيدات و السادة

           حالت ظروف دون وجود النقيب بعلبكي بيننا فشرفني بتمثيله ، و لم أكن أنتظر أن القي كلمةً ، وإنما عنوان الكتاب و واضع الكتاب و راعي هذا اللقاء و الحضور و الأدباء الذين يوحون بما ليس عندي، شجعني فقبلت بأن أتكلم .

           ألحديث عن الصوت حديث عن الروح ، أي حديث عن الذي يجمع قبل أن نرى وقبل أن نلمس . في هذا الكتاب الشيق حاول زميلنا سليم سعد أن يتحدث عن أدق ما في الإنسان ، أي الصوت ، و نحن نعرف ، و من شعرائنا نعرف أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا ... فهي تعشق لأن الصوت مدعاة للعشق . في الكتاب جملة أشياء أساسية كما تصفحته للتو . إنه ، بالإضافة لقيمته البحثية ، زاخر بالوثائق . وثق المغنين ، وثق الخطباء ، وثق الممثلين ، وثق كبار من إرتفع ، من وقف على منبر و من خاطب الناس . من هذا الباب يأخذ الكتاب أهمية بالغة بالنسبة إلينا .

           أكيد بالنسبة إلينا يأخذ أهمية بالغة و يأخذ أهمية أكبر بالنسبة للصحافة اللبنانية . فالصحافة ، هي كانت و ما تزال ألوسيلة الأساسية للتعبير عن الرأي ، و الصوت قاد القلم للتعبير عن هذا الرأي . من هنا أهمية هذا الكتاب .

           أرحب بكم باسم الصحافة اللبنانية في بيتكم ، في بيت الحرية في لبنان . أقول في بيت الحرية لأن الصحافة هي أبداً الآلة  - ألوسيلة التي تعبر عن هذه الحرية . و في مجتمع لا وجود لصحافة عبثاً القول بوجود حرية . ألصحافة تمثل الحرية ، هي النبض الذي نحس به و هي النبض الذي يحركنا ، هي إذا شئتم ، روح الديمقراطية . فاهلاً و سهلاً بكم في بيت الصحافة اللبنانية ، في بيت الديمقراطية اللبنانية ، أي في بيت الحرية . و مرة جديدة أعتذر عن حضرة النقيب لعدم تمكنه من الحضور .

كلمة العريف

           كم كنت أحلم بأن أرد الزيارة لمدير البرامج السياسية في تلفزيون لبنان ، و هو الإعلامي اللامع وصاحب الصوت المميز . فقد زارنا مئات المرات في المختارة و لكن على التلفزيون . فحظي كبير بأن يكون هو المستمع الآن لنعلن تقديرنا له على قدرة التعبير بأسلوبٍ شيقٍ و جذّاب ، و استمرارية جهدٍ منفتح . فكمُّ الزهرة عندما يتكلم هو يتفتح ، فكل لقاءٍ معك نرشفه كأساً كأساً لأنك توقظ السياسة من مهدها بعلمٍ ومعرفة . كلمة الأستاذ فؤاد الخرسا

كلمة الأستاذ فؤاد الخرسا

حضرة رئيس الجامعة اللبنانية معالي الدكتور أسعد دياب

ممثل نقيب الصحافة ألدكتور أنيس مسلم ، أستاذي في كلية الإعلام

ممثل قائد الجيش ألعميد علي بحسون

أيها الحفل الكريم

           عندما طلب مني  ألدكتور سليم أن أشارك حفل توقيع الكتاب اليوم بكلمة ، كوني مذكوراً في كتابه بين مجموعة الأصوات الإذاعية المتميزة ، وكوني زميلاً سابقاً له على مقاعد الدراسة ، رأيت نفسي مدفوعاً للمشاركة من الموقع الثاني ، لأن زمالة الدراسة تبقى وتستمر أما الأصوات فتتغير و إن تميزت .

           أن نقرأ في كتاب المؤلف عنوان " ألصوت البشري آلة عبقرية " ندرك مسبقاً حجم البحث وعمقه، لأن في الصوت كلمة ، في الصوت معرفة و في الصوت مناداة لخالق البشرية و موهب العبقرية وباعث الحياة و محرك الكيانات.

           أن تقرأ في كتاب المؤلف " بحثاً علمياً للصوت منذ الخليقة الأولى حتى اليوم " تدرك مسبقاً مدى تعلق المؤلف الشديد بهذا الإرث الإلهي الذي ربط الناس بعضها ببعض وشدها للتعبير عن حالها و حال مجتمعاتها دوراً و موقعاً و رسالةً و سلوكاً ، و إن إختلفت تصنيفات و خامات أصواتها و إن تغيرت أوزانها و إيقاعاتها .

           و إن وقع الإنفصال و التلازم بين الصوت و اللغة ، كما يرى المؤلف فطالما بقي الصوت البشري مرآةً للإحساس و طالما هذا الصوت أداةً كبرى للتعبير ، فإنه يستحق هذا البحث و هذا الجهد في تقصي مراحله من البدائي الموروث إلى الحضاري المقتبس . أن ترى في الكتاب هذه الوفرة الغنية من المعايير والشواهد التي إرتكز عليها المؤلف محللاً أبعاد الصوت و درجاته بين التأليف و الإرتجال ، بين الشعبي والأكاديمي و التغيرات اللاحقة به تبعاً لتغيرات الإحساس البشري ، لكأنه أمسك بالصوت مذ إطلع على الدنيا مواكباً ، دارساً ، مصنفاً ، محللاً مشرِّحاً ليطلق على نفسه ليس فقط لقب المؤلف فحسب ، بل لقب الحامل لأمانة عز نظيرها ، إن دلت على شيء فإنما على إبداعات خالق هذا الكون معبرةً عن رسالة سر الخلق ، جامعةً بين الشعوب ، مؤلفةً بين المجتمعات كياناً يكاد يكون واحداً و إن قصرت أو تباعدت المسافات والمساحات . 

           إن ما يدعونا لمعرفة صوتنا كعلمٍ مستقل بذاته كمن يدعونا لمعرفة ذاتنا . و من يدعونا لإكتشاف أهمية التعبير الصوتي كمن ينبهنا إلى موقع الكلمة في الصوت . من الإعلاميين من كتب و منهم من أذاع وحاور ، و نحن طبعاً منهم ، و من الناس من وقف خطيباً أو محاضرا أو مرشداً أو منشداً ، و منهم من وقف مدافعاً أو نطق حكماً ، و الكل يجمعهم واحد صوت يوصل للآخرين الغاية من التعبير .

           أن تتعرف إلى  صوتك ، في أي موقعٍ كنت كأنك تعرفت إلى مكامن المجهول والمعلوم فيك . أن تتعرف إلى صوتك ، كيفما كان الشكل و الأداء كأنك وصلت إلى الغير قبل وصولك إلى نفسك . قد لا يكون هذا كل ما أراده ألدكتور سليم في بحثه ، لكنه يبقى الجزء الأقرب إلى مفهومنا نحن الإعلاميين .

           أن تقف في كتاب المؤلف عند هذه الإحاطة الشاملة لعلم الصوت وتنوع درجاته وخاماته ، و هو الموسيقي الباحث ، تفهم بعمق هذه العلاقة اللازمة أبداً بين الصوت والموسيقى ما دمنا نسمع و ما دمنا نقرأ ، و هذا الرابط الأبدي بين رهافة الحس و الحركة ، لا بل هذا التناغم السري و العلني بين الكلمة واللحن .

           إن في الصوت البشري أبعاداً و رموزاً لا تحدها حدود و لا تفصل بينها موانع وإن تعددت الأشكال و تنوعت . و كلما توغلنا في كنه السر كلما ظهرت أمامنا أبعاد جديدة تَرُدُّنا إلى بدء التكوين ، إلى أول إشارة صوتية بشرية ظهرت للوجود ، و ربما هذا ما أراده و يريده المؤلف من بحثه .   

           أخيراً ، لست خبيراً في صوتي و قدراته ، و لا أعلم إن كان دافئاً أم جافاً ، لكني مثل كل الناس ، تشدهم كلمات الباحث فيهم . و قد علمت من كتاب المؤلف أني متفوق الصوت في إتزان القوى و الوضوح ، و لا أدري إن كنته فعلاً هذا ما أرجوه ، مع رجاءٍ آخر أن أكون قد وفقت في فهم الدكتور سليم من وجهة نظري كإعلامي و شكراً .

كلمة العريف

           أرحب بالجميع ، و أهلاً و سهلاً بالأستاذ فؤاد سلمان و الدكتور محمد علي موسى و الدكتور نبيل عويدات .

           هو جسر العدل إلى الجامعة اللبنانية ، هو قنديل الليل على سرايا العدل و المصباح على بوابة المحراب الثقافي في الجامعة . كل شيء تبتعد عنه يصغر و يضمحل أمام عينيك وفكرك إلا خيال الوطن ، بقدر ما تبتعد عنه يكبر و يعظم أما رئيس الجامعة فبقي في الوطن كبيراً و بقيت جامعته كبيرة فزحفت إليه هوية المجاهد الفكري . فأنت المرتجى في إستمرار النمو الفكري و الثقافي بعد تصدعٍ و إنهيارات في بناء الوطن . أنت ثورة و ثروة ، و ثروة لبنان الحقيقية لجيلنا الغالي ، فجامعتك بعد العدل قلعة تسكنها الثقافة . إعتلاء المنبر من صفة المعالي. كلمة معالي صاحب الرعاية الدكتور أسعد دياب                                

كلمة رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور أسعد دياب

ممثل نقيب الصحافة العميد الدكتور أنيس مسلم

ممثل قائد الجيش ألعميد علي بحسون

صديقنا ألدكتور سليم سعد

إخوتي و أخواتي

           سليم سعد يُدَوِّنُ ما لا يرى ، جرأته أنه أعطى اليد عمل الأذن ، فبادر إلى تدوين الصوت ، إلى تدوين السماع من الغناء إلى الإلقاء إلى الخطابة إلى الكلام التمثيلي و إلى التعبير الصوتي بلا لغة . و إذا توافرت في الغرب مثل هذه الدراسات فإن مراجع تدريس الصوت العربي ما تزال نادرةً حيث يغلب تناقل هذه الأصول من خلال التلقين الشفهي .

           سليم سعد أتيت بعملٍ جدّي و مجدٍ . إنطلقت من خبرتك في التعليم و لا سيما في الجامعة اللبنانية كأستاذ لمادة الصوت في معهد الفنون الجميلة منذ العام 1987 . و إنطلقت من إختباراتك العملية للصوت ، للصوت البشري عبر التلحين لأنواع مختلفة من أصوات من أنشد و غنى و أطرب . و لَبَّيْتَ حاجة المكتبة العربية إلى مثل هذا العمل التدويني فأنت هنا تقدم التسجيلات التدوينية لما تنقله التسجيلات التكنولوجية من شكل الإداء و نبرة الأداء و لون الأداء .

           و من مآثر هذا العمل أنه عاد إلى جذور التراث العربي في هذا المجال ، فألقى الضوء على العلماء العرب الذين درسوا الصوت اللغوي و في طليعتهم أبو الأسود الدؤلي وإبن جني و الفارابي و إبن سينا الذي قال : " ...  إنَّ الحروفَ قد تُسمَعُ من حركات غير نطقية ... " . كما عولت على أحدث الدراسات الغربية و كان من هذا التكامل بين ثقافتك وخبرتك هذا الكتاب الذي نعتز اليوم معك بإطلاقه .

           إنه عمل علمي تقني يدقق في توصيف مادة الصوت حتى إنتهى إلى وضع نظام سليم سعد للتدوين الصوتي غير الموسيقي . كما هو عمل توثيقي بإمتياز ، فركز على كبار من غنوا عند العرب قديماً و على أشهر من غنى عندنا منذ القرن التاسع عشر حتى يومنا ، إلى جانب أهم مرتلي القرآن و أهم الخطباء و الممثلين الصوتيين و الزجالين و الشعراء والمذيعين و منشدي الأوبرا .

           أيها الصديقات و الأصدقاء يكبر القلب بمثل هذه المنجزات و تكبر الجامعة اللبنانية بعطاءات أسرتها و أبنائها . لقد حرصنا جميعاً على أن نكون معاً اليوم لنؤكد إعتزازنا بهذا العمل العلمي النبيل .

           سليم سعد لقد أمسكت بمهارة بما لا يمسك . صوتك يسمع و كلمتك تقرأ وعبارتك تؤنس فمبروك للبنان و للجامعة و للمكتبة العربية هذا الكتاب القيم .

           سليم سعد شكراً ، فمن نعم هذا العطاء الحاجة إليه .

كلمة العريف

كلفنا بالترحيب أيضاً ، و عذراً ، برئيس المجلس الأعلى السوري اللبناني ألأستاذ نصري خوري . و أهلاً بالأستاذ محمود عبد الخالق .

           فإذا كان للمسك ختام فهي كلمة عريس الجامعة اللبنانية ألدكتور سليم سعد .

كلمة الدكتور سليم سعد

صاحب المعالي راعي هذا الحفل ألأخ الأكبر ألدكتور أسعد دياب

حضرة قائد الجيش ألعماد ميشال سليمان ممثلاً بالعقيد الركن علي بحسون 

حضرة أمين عام المجلس الأعلى السوري اللبناني الأستاذ نصري خوري

حضرة ممثل نقيب الصحافة ألدكتور أنيس مسلم

حضرات ممثلو الأحزاب و المؤسسات الإجتماعية

حضرات المدراء العامون

حضرات الأساتذة و الأدباء و الفنانون و المثقفون

حضرات الأصدقاء و الحاضرون الكرام

           ألمعرفة غايتنا ، نحاول التقرب منها بلعبة " ألغُمَّيْضَة " ( بالعربي الدارج ) ، إذ أنها تنادينا قائلةً : " أبصروني فتأخذوني إليكم " . و نحن نلبي الدعوة هذه ، نَجِدٌّ بالبحث عنها، و البحث يعني أن الباحث عن الشيء فاقده . و لو كانت المعرفة لدينا لما بحثنا و لما كنّا وثقنا ما توصلنا إليه في هذا الكتاب ، ألذي نحن اليوم نشهد ولادته و نباركها .

           قلت يوماً لمراسلةٍ صحافيةً ، كانت تحاورني حول العلاج الطبي بالموسيقى : إن جوابي القاطع لكِ في هذا الموضوع هو أنني جاهل كبير فيه ... ، وقد كثر الكلام عنه منذ القرن العاشرميلادياً مع علماء الحضارة العربية ، مثل ألكندي و الفارابي و إبن سينا وغيرهم ممن أنجزوا فيه ، بالإستناد إلى الفعل و التأثير للموسيقى على سامعيها . إلاَّ أن الطب إبان تلك الحقبة جاء متقدماً بالعلم و التطبيق و تجاوز الإيمانية المطلقة بالشفاء الموسيقي ليعتمد العقاقير و التحليل و التشخيص و التركيب و تحديد العلاج .

           في الصوت البشري تجلت المشكلة كما في الطب الموسيقي تماماً . و ذلك بإحتساب الغناء صوتاً جميلاً و إسقاط باقي الأصناف الصوتية  من معايير الجمال و الدرس والإهتمام العلمي . فأصبحت الموسيقى المدخل الكبير و الرحب لصرح الصوتيات من شعرية و خطابية و تمثيلية و تعبيرية شاملة .

           و كبار الباحثين في الأصوات اللغوية مثل الزمخشري و إبن سينا و إبن جِنِّي والفارابي و أبو الأسود الدؤلي و سبويه و غيرهم ، بحثوا فيها بمنأىً عن مسار العلم الموسيقي الذي سبقها بمسافات . وظلت الهوة بين الصوت الغنائي - الموسيقي و الصوت التعبيري المطلق تزداد عمقاً حتى اليوم . و ذلك لأسباب أهمها :

1-      ألموسيقى هي إختيار لنخبة الأصوات . و هي قليلٌ عددها و سهلٌ تنظيمها في السلالم والنغمات والمقامات .

2-      صعوبة ضبط التنغيم الكلامي و الإلقائي و اللغوي نظراً لكثرة درجاته و صغر أبعادها عن بعضها البعض .

3-      ألفصل بين الفنون الصوتية على قاعدة تطوير الأسهل و الهروب مما هو صعب التحليل.

           هذه الأسباب لا تنفي أن الأصوات الموسيقية كانت متعادلة في الزمان و المكان والقوة و النبرة والضغط التنفسي مع الأصوات اللغوية و التعبيرية العامة . ألنوعان يصدران عن الحنجرة بواسطة التنفس ويعبران عن خوالج الإنسان و يؤكدان فكر الإنسان و أحاسيسه. و هذا ما يشبه ثمار الأشجار ، حيث تؤكل المنخفضة منها و تبقى العالية حتى تسقط و تتلف من تلقاء ذاتها .

           فجئنا بنظرية التساوي بين فنون الصوت البشري و وحدة المنطلق المادي والجمالي في آن . وكان طرحنا في هذا الكتاب ألذي خلصنا إلى نظامٍ تدويني للصوت يجعل المغني والشاعر و الممثل والمحاضر و الروائي و المرافع و المقريء و الملقي و كل من يتعاطى بالتعبير الصوتي على المستويين الرسمي و الأكاديمي ، متساوين في درس الصوت والتدرب على أساليبه التي وضعنا لها المناهج و التمارين اللازمة التي في مقدورنا حتى الآن . داعين كلَّ من يتوق إلى هذه الفنون أن يدرس و يقوِّمَ و يعدِّلَ ما يراه مناسباً في محصولنا هذا ، في سبيل خدمة المعرفة و الثقافة و الخير و الحق و الجمال .

           و اسمحوا لي أن أُقَدِّرَ وقفتكم اليوم كبير التقدير و أن أعتبرها وقفة أهل المعرفة والعلم و الثقافة إلى جانب كل من يسعى إلى نفع الإنسانية و المجتمع و الوطن. كما أتقدم منكم بالشكر لحضوركم اليوم وأشكر نقابة الصحافة اللبنانية و وسائل الإعلام و دار الجبل الأخضر للنشر بشخص مديرها السيد عصام حسن كبول و الفنان حمود الصيفي والمصمم سامي نصر و كل من ساهم في صناعة هذا الكتاب و كل من ساهم في إنجاح هذا اللقاء . كما أشكر كل الذين أدوا باصواتهم كلمات هذا اللقاء ، ألإعلامي اللامع ، مدير البرامج السياسية في تلفزيون لبنان ، ألأستاذ الصديق فؤاد الخرسا و ممثل نقيب الصحافة العميد الدكتور أنيس مسلم . كما أخص بالشكر راعي هذا الحفل، رجل العلم والعدل ، ألصديق و الأخ الأكبر ، معالي رئيس الجامعة اللبنانية ألدكتور أسعد دياب .

           و إلى لقاءات علمية و ثقافية آتية معكم ، عشتم ، عاشت الثقافة ، و عاش لبنان النور و الإشعاع .

    

     

وقائع حفل التوقيع الثاني
بتاريخ 9 حزيران 2000 في معرض الشوف الدائم للكتاب - بقعاتا
بدعوة من مجلس إنماء قضاء الشوف

 

كلمة عرّيف الإحتفال ألأستاذ زهير الفطايري

  بعد النشيد الوطني اللبناني

           ألكتاب وعاء مليء علماً ، سواً في أرض القاريء ، غذاء للجائعين و نبراس للمهتدين ، به يؤمن العقار ، و تتقى الأخطار ، حبر على الطروس ، أفكار في الرؤوس ، يدخل اللطيف بالكثيف ، فنعلم المجهول و المستور .

           إنه كتاب الدكتور سليم سعد ، عنوانه " ألصوت البشري آلة عبقرية " . عالج فيه المؤلف أهمية الصوت البشري آلة التعبير الأولى للإنسان . شرح الصوت تقنياً و فيزيولوجياً و كذلك شرح عناصر التعبير الصوتي من إيقاعات و إحساس و الخامة ، و كذلك عالج السلم الصوتي و تطرق إلى البحور الشعرية ، وهو على درايةٍ  بما يتكلم عن الخطابة و الإلقاء والتجويد و عن الصوت البدائي و الصوت المتحضر و أنهى الكتاب بتمارين تطبيقية .

كلمة العرِّيف

           والده يوسف حسن كان شاعراً و كاتباً ، كان كاتباً أو ناثراً أسلوبه ألسهل الممتنع ، إبنه عاصم هذا الشبل من ذاك الأسد . معلم العربية و على دراية بها و خصوصاً في علم العروض . إنه الأستاذ عاصم حسن ، ألكلمة له فليتفضل

كلمة الأستاذ عاصم حسن

أيها السيدات و السادة

أيتها النخبة الواعية في شرائح هذا الوطن

إنكم الخميرة القليلة الخيرة ألتي ستنهض العجين الكبير

           لست آخذاً بمناقشة مؤلف الدكتور سليم سعد و لست مهيأً لنقده فإن لذلك براةَ قوسٍ لهم فيها الباعُ الطويلة ، ذلك لأن الموسيقى علم رياضي و أنا لست من هذا بشيء . و لكني أود الإشارة إلى ما يحيط بالكتاب من أمرٍ فأعرض لشيءٍ في خاطرتي أصداءً يوحيها الكتاب لمن يقرأ .

           و قبل هذا أستأذن أخي ألدكتور سليم سعد في أن أبدل كلمةً في عنوان كتابه فأجعل الحنجرة بدلاً من الصوت ، فهي تلك الآلة العبقرية التي حباها الله لبني البشر و هي التي تختصر ربما ، معظم آلات العزف الموسيقي  .. و بها ينطلق  الصوت .

           فالحنجرة آلة الصوت البشري ، هي الآلة العبقرية لأنها المنبع و المعنى والمشاعر معاً ، و أية آلة موسيقية سواها لا يمكن لها أن تجمع هذه السمات الثلاث . فقد يقوم الصوت البشري مقام الآلة مبلوراً المشاعر إنما العكس غير صحيح . فلا يمكن للآلة الموسقية أن تضرب الأحاسيس فتهزها إلا إذا تهيأت لها الوسائل عند من يتلقى .

           فالحنجرة هي الآلة و الجهاز العبقري ، هي هبة الخالق للإنسان . نسأل : أية آلة يمكنها أن تمثل حنجرة أسمهان بطبقات صوتها ؟؟ تلك التي لم يشابهها إلا حنجرة أحد المغنين في إيطاليا .. في حدود ما أعلم.

           أية آلة يمكن أن تلغي صوت أم كلثوم أو فيروز .. ؟ أو تكون بديلاً منها ؟ نشك في ذلك . أية آلة يمكن أن تخشع أفئدتنا ، و ترفع مشاعرنا و صفاءنا إلى العلي القدير كما يحدثه فينا تجويد عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله .. حين يتلو الكتاب المحكم .. ؟ وَحْيٌ يتلوَّنُ صوته و يتدرج إرتفاعاً و إنخفاضاً ، و شدةً وليناً  .. إن هذا تمثيلٌ و ليس حصراً .

           و الموسيقى بمفهوم الحنجرة أولاً و بمفهوم الآلة المصنفة ثانياً ، نراها " صمت الناطق " و في الوقت عينه هي " نطق الصامت " ، و ربما هي لغة التخاطب الأولى بين بني البشر قبل أن يوحي الله إلى الإنسان ملكة اللغة .. و من هنا نراها الحاضنة الأمينة للشعر العربي ذلك الموزون المقفى و الموقع .. كما يقال .

           و تحت ظاهرة حتمية التطور و الإرتقاء لماذا نستبعد أن يتجدد زرياب ( علي بنُ نافع ) في عددٍ من الفنانين المبدعين المعاصرين ، كما تجدد في بعض السابقين ، و نحن منهم على قرب عهد . و في مؤلف الدكتور سليم سعد رجوعاً واثقاً إلى المنابع الأولى للآلة الموسيقية ، وإستقصاءً لمكونات الصوت والمجموعات الصوتية عبر أنسجة و أوتار الحنجرة البشرية . لذا نأمل أن يكون الدكتور سعد قد خط سبيله إلى جوهر الدراسة الصوتية عبر تقصي هندسة النطق .. و بنجاحٍ مرجوٍّ ، حين أثبت ذلك بتأكيد سلامة المعادلة بين إيقاع الشعر و إيقاع الغناء .

           نقول تأكيد المعادلة فهو لم يكتشفها ، و لكنه أصر عليها ، فالقصيدة الموزونة المقفاة قد تنسجم مع أنغام آلة الأرغن .. فالموسيقى عموماً ، منابعها الأصوات التي نتواصل بها فيما بيننا ، نريد بها اللغة .

           و نحن لا نبغي بهذا الكلام إلغاءً لدور الآلة الموسيقية ، و لكننا نود التأكيد على نظرية الأخ الدكتور المبدع عبر كتابه ذاك . فالآلة تظل مقفلةً لنقصٍ في أداء الحناجر الصوتية ، لأن البشر ليسوا على سويةٍ واحدةٍ من جمالية الأصوات و خوارق و ميزات أوتار الحناجر . فهي هنا تأخذ بحظٍ كبيرٍ في أداء دورها لإقفال ثغراتٍ في جمالية الأداء .

           " و مجلس إنماء قضاء الشوف " يظل حاضناً و ظهيراً لأي دورٍ حضاريٍّ هادفٍ إلى التجدد .. ومن هنا جاء دوره في التعاون مع الدكتور سليم سعد … و قد ركب موجة الخطر على ما أعتقد ، حين أطل بمؤلفه ، إذ وضع نفسه من خلال كتابه المميز هذا هدفاً للنقد الفني من كل جانب . و لكننا واثقون من قدرته على أن يدرأ عن نفسه النقد و يدفع الحجة بالحجة ، و النقد بنَّاءٌ بلا شك ، و أن يدافع عن نظرية الصوت البشري .

           نقف معه في مجلس إنماء الشوف ، و لكننا لا نملك قدرة الدفاع الأكاديمي عن منهجية بحثه القيِّم ، فليدفع عن نفسه . إننا نصراء كل إرتقاء و إنماء و إبداع .. لأننا نرفض وأد العبقرية و قمع الفكر ، كما رفض الإسلام العظيم وأدَ البشرية و إنتصر للفكر .

كلمة العريِّف

           مخرج مسرحي ، دكتوراه في الفنون الدرامية ، رئيس قسم المسرح و التمثيل في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ، له مسرحية " قفص السنجاب " و كتاب " ألحائر " قصة أدبية ، و أعمال كثيرة لم تنشر . إنه الدكتور إيلي لحٌّود فليتفضل

كلمة رئيس قسم المسرح في الفرع الثاني لمعهد الفنون الجميلة

الدكتور إيلي لحُّود

           لا يسعني إلا أن أشكر مجلس إنماء قضاء الشوف الزاهر على بادرته الثقافية هذه ، و أشكر الأستاذ فطايري على مقدمته اللطيفة

           أيها السادة

           و إذا بصوت ، بطنين الصوت و هديره ، ظل الصوت يرافقه ، ظل صوت الضمير يؤنبه ، ألصوت النادر ، ألصوت الرادع ، ألصوت العادل ، الأصوت الحافز والمُحَفِّز، ألصوت المشجِّع ، ألصوت الآمر و الناهي . هو الصوت .. دائماً ألصوت .. حضور الغياب و ضابط الإرتباط ما بين الراهن و البائد ، ما بين الماضي و الحاضر الماورائي و الآني العابر أو الحاضر الممهد للآتي .

           هو الصوت البشري الإنساني الحيواني أو المعدني . و ذلك الصوت هو آلة منظمة و ملازمة للإنسان و ليس مزاجاً أو عشوائية . و إن تلك الآلة هي عبقرية ، حيث أنها لا تغفل أو تتغافل الإبداع ومصاعبه و متطلباته . لنسمع الكورس كيف فطن لعبقرية آلة الصوت ، فكان و منذ الإغريق يملأ الأوركسترا ، يحتلها يستعمرها و يرافق الحدث المسرحي و يسهر عليه متبنياً الإحتفال بكليته و بكل أشكال طقوسه حاملاً مسؤولية العرض و مطباته وتعرجاته و ذراه .

           هو الغياب هنا في الحاضر و على مقربةٍ من المشاهدين ، هو إنعكاس الماوراء في حلبة الصراع المجتمعي ، و البوصلة و العادل و العون ، و المؤنب و الرادع و المثني والمهلل ، و المحتفل و الرقيب الساهر ، و الناصح و المرشد و المحذر ، هو صاحب الحاسة السادسة و الذاكرة المعادة و المكررة .

           أ لُهاثاً كان أم زفرةً أم تنهدةً أم ضجيجاً حلقياً أم كلاماً ، يأتيك قبل الإيماء أو الإختلاج أو الخفقة . أو يرافقها منتدباً العينين لتمثيله حين يصيب الحبال أو الأوتار الصوتية إعياءً أو يعتريها وهناً . زميل للصمت هو و رفيق لا يكابر عليه ، يتبادل معه الخدمات ، يتقاسم و إياه المراحل و يتناوب معه على إحيائها . نتكلم عن صوت الصمت و عن سكون الصوت و صمته ، فلا صمت غير معبِّر في المسرح و عليه ، فهو دائماً ناطق و الصمت اللاتعبيري هو الصمت الأخرس ، هو الإنتهاء ، هو الموت .

           تلك الخواطر و غيرها صالت و جالت في دواخلي ، داهمتني ، إعتمرت كياني حين قرأت كتاب الصديق و الزميل الدكتور سليم سعد . لذا فقد آليت على نفسي أن لا أكرر ما طفح به الكتاب من نفيس الفوائد التاريخية و العلمية و التقنية و التربوية و الأكاديمية إذ سيقرأه حتماً كل واحد منكم ، بل أن أنقل ما أحدثه هذا الكتاب رفيق المخدة من ردود فعلٍ عندي و ما تركه من أثر . فالكتاب الذي لا يجعلك ترتعش كوتر العود أو الكمان لا يضل ماثلاً و حاضراً في أعماق الوجدان .       

           أيها السادة

           إذا كان الصوت البشري ما بين البدائي و الموروث و المكتسب هو آلة عبقرية ، كما شاء المؤلف أن يسمي الكتاب ، فهذا الكتاب بنظري هو آلة منهجية، لا بل آلة ضرورية لكل دارسٍ و ناقدٍ و ممثلٍ ومغنٍ. فمن أهمية الصوت البشري ، آلة التعبير الأولى الإنسان، منذ البدائي إلى المتحضر ، إلى تشريح الصوت تقنياً و عناصر التعبير الصوتي ، إلى تقنية إصدار الصوت وإنتاجه ، وأهمية الحجاب الحاجز أو الحاجب ، مروراً بالسلم الصوتي وتصنيفاته و قواه وتغيراته و إيقاعاته ، معرجاً على البحور الشعرية و على الإنواع الصوتية و الخامات ، يصل بنا الباحث إلى الصوت كحسٍ دون أن يغفل حتى التكوين الفيزيولوجي للأذن البشرية و الذاكرة الصوتية ، مسهباً في التوقف عند الغناء و الخطابة و الإلقاء و التجويد مركزاً على الصوت التمثيلي ، غيرَ جاهلٍ بأن التمثيل هو خلاصة الفنون كلها وأشدها تعقيداً .

           إذا كان الكتاب دراسةً تقنيةً للصوت البشري و إصداره و تمارينه ، فهو لا يغفل عناصر الإبداع الفني بعد توظيف التقنيات و الإستفادة منها و توفير الأجواء و المناخات الأكيدة قبل أن تبدأ عملية الإقلاع من الحنجرة و بإتجاه الأذن .

           لم يترك سليم سعد لا شاردة و لا واردة و مشى كتابه الرحلة بخطى أكيدة و ثابتة و بنفسٍ ملحمي إن لم نقل ماراتوني ، حتى أطل علينا أستاذاً و باحثاً و موسيقياً و مؤرخاً وأديباً و طبيباً جراحاً للأنف و الحنجرة و الأذن من الطراز الرفيع . لا أغالي أيها الأصدقاء إن نعتُّ الكتاب بالموسوعة الصغيرة، فهذا العمل هو عملٌ شاق يعجز عنه الفرد و تكفينا من الكتاب خلاصته و ذلك بعد تجوالنا بين الصوت البدائي و الصوت المتحضر و في مغاور الصوت و كهوفه ، تكفينا هذه الحقيقة ألا و هي أن الصوت البشري هو مرآة الإحساس .

           و كم نحاول و كم نسعى جاهدين في معاهد التمثيل أن نحقق صدق هذه المقولة أو الخلاصة ما بين المدروس و المحسوس ، حيث تطور السماع و السمع و بات العالم بأسره ليس فقط قريةً صغيرةً بل أذناً كبيرةً و عيناً كبيرة . بصراحةٍ تامةٍ أقول : نحن بأمَسِّ الحاجة إلى هذا الكتاب و إلى تمارينه التقنية . فهنيئاً لكل ممثلٍ و مغنٍ و معلمٍ و رجل مسرح وفنانٍ و شكراً للدكتور سليم سعد على ما أتحفنا به من هديةٍ سخيةٍ و قيمةٍ و عطرة .

كلمة العريِّف

           أستاذ في الجامعة اللبنانية ، لغوي ، عرفناه في مكتبة الشوف الوطنية عندما كنا نحقق تراث المعلم الشهيد كمال جنبلاط مع الدكتور خليل أحمد خليل ، قرأ بعض التحقيقات وأعطى بعض الملحوظات القيمة ، مؤلفاته " ألمذكر و المؤنث " ، " إبن هشام الأنصاري " وغيرها ، و هو الدكتور عصام نور الدين أحد أبرز أساتذة الأصوات اللغوية في العالم العربي . كلمته تلقيها ، بالنيابة عنه ، ألدكتورة كلير سليم سعد فلتتفضل

كلمة أستاذ الفيلولوجيا و علم الصوتيات في كلية الآداب

 الدكتور عصام نور الدين

           أيها السادة

           تحية عربية و بعد

           فإنه من سعد السعد أن أشعر بهذه السعادة العلمية الغامرة و أنا أتكلم عن مولود صوتي جديد .. على كتاب في علم الأصوات البشرية ، سماه صاحبه الصديق الأستاذ الدكتور سليم سعد " ألصوت البشري آلة عبقرية " و أرسله في الناس ، في ثلاث مئة و أربع صفحات، تحتوي العلم ، والمنهج ، و المادة ، و حب المعرفة ، و سعادة العطاء و سلامته ، من معين متخصص ، لا ينطق في هذا الموضوع ، عن الهوى ، بل يقدم المعرفة بتواضع العلماء ، مثله في ذلك مثل أجداده اللغويين ، الذين قيل فيهم إنهم قد سبقوا أمم الأرض كلها في دراسة أصوات لسانهم دراسةً صوتيةً وصفيةً ، أدهشت علماء الغرب و الشرق ، فأقروا بأن العرب هم من الأمم السباقة في دراسة الصوت اللغوي الإنساني ، و تمييزه من الضجيج الصوتي الذي لا يقترن فيه المفهوم بالصورة الصوتية .

           إن الصوت الإنساني ، أو الصوت البشري  - كما سماه الدكتور سليم سعد – هو الذي يميز الإنسان من الحيوان و من بقية المخلوقات ، ثم إن طريقة إستعمال هذا الصوت وتركيبه في كلماتٍ و في تعابير و جمل هي التي تميز كل أمةٍ من أبناء الأمم الأخر .. فاللغة – أو ما يسمى بالفرنسية - Langage – واحدةٌ عند كل الأمم و الشعوب ، و هي تمثل قدرة الإنسان ، التي أودعها الله في بني البشر ، على الكلام و على الفهم و الإفهام بالأصوات ، ثم تأتي كل أمة و تجسد هذا المفهوم تجسيداً يتناسب مع عبقريتها ، ويخدم شخصيتها ، ويعكس نفسيتها ، و يعبر عن نظرتها إلى نفسها و إلى الآخرين و إلى الكون و إلى كل ما يحيط بها .. تجسد الأمة إمكانية الكلام بأصواتٍ خاصةٍ ، قد تختلف من أمةٍ إلى أمة ، فتوجد اللسان – أو ما يسمى بالفرنسية - Langue – ثم يأتي الأفراد فيجسدون اللسان – هذا الكنز الجماعي عند كل أمة – يجسدونه في الكلام -   Parole - .. فيفهم بعضهم بعضاً ، و ينطق بعضهم بعباراتٍ و جمل و تراكيب لم يسبق له أن نطق بها ، كما لم يسبق له أن سمعها ، ويسمع المتلقي هذه الجمل التي لا حصر لها و لا عد فيستطيع فهمها و إن لم يسمع بها من قبل.

           إن الدكتور سليم سعد قد تكلم في كتابه هذا على الصوت البشري و وظيفته وأهميته، فجعل كتابه في إثني عشر فصلاً ، غطت الموضوع ، و هي : أهمية الصوت البشري ، و تشريح الصوت البشري فيزيولوجياً ، و عناصر التعبير الصوتي ، و الصوت التمثيلي ، و الإنضباط الموسيقي ، و الصوت و اللغة ، و الصوت الغرائزي الموروث والصوت المكتسب ، و نظام سليم سعد للتدوين الصوتي ، و الصوت التعبيري العام ، والتمرين الصوتي في مرحلتيه : ألمتجرد من أي لغة و المرافق للغةٍ ما .

           إن الدكتور سليم سعد قد بنى كتابه الصوتي هذا من سبعة و أربعين مصدراً ومرجعاً ، و وثق بحثه توثيقاً علمياً دقيقاً .. فجاء نصه محكماً ، علمياً ، و يسد ثغرةً في المكتبة العربية الصوتية ، و هي مكتبة فقيرة جداً بالمراجع الحديثة ، ألتي قد لا تتجاوز العشرين ، بينما هي غنية جداً بالدراسات التراثية ، ألتي أسس لها الإمام علي بنُ أبي طالب ، عليه السلام ، و تلقفها منه أبو الأسود الدؤلي ، فتلاميذه ، فالخليل بن أحمد الفراهيدي ، فسبويه ، فالمُبرِّد ، فالزجاجي ، فالزمخشري ، فإبن دريد ، فعلماء التجويد ، فعالم العلماء وفارس الفرسان في زمنه ، عنيت إبنَ جِني ، ألمتوفي سنة 392 هجرية ، فقدم أدق الإسهامات الصوتية بعد أستاذ الجميع الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ألذي ألف معجم العين إنطلاقاً من تصنيف الأصوات و حصر مخارجها أو أحيازها حسب مصطلحه .

           صديقي و زميلي الدكتور سليم سعد ،

           إن جدكم – علمياً – ألجاحظ قد قرر في البيان و التبيين أن " ألصوت هو آلة اللفظ، و الجوهر الذي يقوم به التقطيع ، و به يوجد التأليف ، و لن تكون حركات اللسان لفظاً و لا كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف" .. ثم جاء الدكتور سليم سعد و وظف الدراسات التي سبقته و التي عاصرته لينتج للمكتبة العربية كتاباً صوتياً بشرياً يدرس فيه هذا الصوت الإنساني ، و يركز فيه على بعض وظائف الصوت التي قد يحتاجها القاريء حاجة طلابه في معهد الفنون لها ، فهو يعلم المتلقي ، فن إخراج الصوت إخراجاً صحيحاً من حيزه أو مخرجه، و يعلمه كيف يحافظ على صفة الصوت ، و كيف يوظف هذا الصوت في كلامه العادي، و في الغناء ، و في التمثيل ، و في الإلقاء .. إلخ ، و يعلمه كيف يستغل النبر والتنغيم و التفخيم والترقيق في عمله .. فإذا قاريء الكتاب أو دارس الكتاب و قد اكتسب هذا العلم بما ضمنه مؤلفه من بحوث تطبيقية ، و من نظمٍ للتدوين الصوتي .

           صديقي و زميلي  الدكتور سليم سعد

           قدَّمْتَ جديداً .. فأحسنت ..

           و نحن ننتظر منك إكمال هذا المشروع البشري خدمةً للإنسان العربي في لبنان وفي كل أرجاء الوطن العربي .. و لا نخالك إلا منتجاً جديداً في وقتٍ قريب .

           شكراً لك على هذا الجهد العلمي الجديد ..

           و شكراً لكم ، سيداتي سادتي ، راجياً منكم أن تتقبلوا اعتذاري عن عدم تمكني من الحضور بين أيديكم لإضطراري للقيام بأمرٍ لا أستطيع الغياب عنه أبداً .. و عذري أن قلوبكم و عقولكم تتسع لمقصر مثلي .. و سعادتي في سعادتكم بسماع الدكتور سعد و قراءته .

و السلام عليكم

كلمة العريِّف

           محامٍ لامعٌ مشهور ، له خمسةٌ و خمسون مؤلفاً في المسرح و الفنون التشكيلية والقانون و الأدب ، إنه الدكتور فاروق سعد يمثله المحامي الأستاذ موفق ميرزا فليتفضل

كلمة أستاذ مادة الإلقاء العربي في الجامعة اللبنانية

 الدكتور فاروق سعد

           سيداتي آنساتي سادتي

           يا من نظمتم هذا الإحتفال و دعوتم إليه

           أسديكم الشكر الجزيل ،

           يا من ملكتم الجرأة في الخروج عن مألوف إحتفالات هذا الزمان فلم تقيمونه للإشادة بصاحب ثراءٍ أفاض عليه تيه الحظ و الثروة و المال و لم تقيمونه للإطراء بصاحب جاه إرتقاه في غفلةٍ عن الزمان.

           أسديكم الشكر الجزيل ،

           يا من حضرتم من كل حدبٍ و صوب فتحملتم مشاق الطريق و جدتم بوقتكم الثمين للإستماع إلى من جاؤا يتكلموا في هذا الإحتفال ليعتزُّوا بإنجازٍ حضاريٍّ مرموق .

           أسديكم الشكر الجزيل ،

           أما بعد ، سيداتي آنساتي سادتي لا تنتظروا إطراباً في عباراتي فقد غلب على ما سأقوله طابع المحاضرة على طابع الخطبة حيث أن غايتي التعريف الدقيق و التنويه بنتاجٍ علمي و فني إرتقى المستوى الأكاديمي أعني به كتاب الدكتور سليم سعد " ألصوت البشري آلة عبقرية " و لا أبتغي التعريف بشخص الدكتور سليم سعد فهو غني عن التعريف فكلكم جئتم لسماع ما يقال عن إنجازه الجديد .

           كتاب الصوت البشري آلة عبقرية للدكتور سليم سعد مساهمة قيمة مشهودة ومشكورة في تلك الحركة النهضوية الناشطة منذ النصف الثاني من القرن العشرين للدراسات و الأبحاث المتخصصة المتنوعة في موضوعاتها تقتدي بإسهامات أعلام تراثنا العربي الموسوعي الذي شمل جوانب العطاء الحضاري الإنساني في جميع المجالات الثقافية على اختلاف أنواعها و موضوعاتها من فلسفة و علوم و فنون .

           كتاب الدكتور سليم سعد مساهمة متميزة في البحوث الفنية و بالتحديد في البحوث الموسيقية التي لم تنل منذ قرون في الوطن العربي نصيبها ، الذي تستأهله وتستدعيه سواء من حيث الوفرة أو من حيث التنويع من الباحثين ، على المستوى الأكاديمي ، في حين أن التراث العربي القديم قد حفل بروائع في هذا المجال كانت نبراساً و هدياً يكفي ذكر أحدها ، و أعني به كتاب الموسيقى الكبير لأبي نصر الفارابي الفيلسوف المعروف .

           و لا ريب أن التخصص العلمي العالي لسليم سعد و هو الحائز على دكتوراه دولة في الموسيقى من جامعة عالمية رفيعة ، و ما إكتسبه من ثقافةٍ موسيقية شاملة ، فضلاً عن موهبته أصلاً في التأليف الموسيقي و إتقانه العزف على الآلات الموسيقية و لا سيما الكمان ، و خبرته الإحترافية كموسيقار ، والتعليمية كأستاذٍ جامعي مارس و ما زال يمارس التعليم الجامعي في علوم و فنون الموسيقى و الصوت منذ سنواتٍ عديدة . و هو ما أهله لتأليف كتابه المرجعي " ألصوت البشري آلة عبقرية " فبلغ به المستوى الشمولي في هذا المجال ، حيث جمع و قارن و نسق بين علومٍ و فنونٍ مختلفةٍ متنوعة ، و على الأخص الإلقاء والتجويد و اللغة و الأصوات و الموسيقى ، و استقى و كوَّنَ منها مادته الفريدة متميزاً في إعطاء الموسيقى مكانتها و دورها في الأبحاث لفنون الإلقاء و التجويد و اللغة ، و على العموم الصوتيات ، منهجاً ومعياراً و موضوعاً ، حيث نلقاه في هذا الكتاب ، يقارن بين الصوت المغنى و الصوت غير المغنى معرفاً وشارحاً ماهيات اللحن و الإيقاع و الزمن الموسيقي والأداء الصوتي الموسيقي البشري على أنواعه : ألفطري الموروث ، ألمكتسب المدروس ، ألشعبي ، ألأكاديمي .

           و في كتاب الدكتور سعد التقصي و البحث و التشويق في العرض و الإستفاضة في تفصيل كل ما هو دقيق إلى حد إمتاع القاريء لا تثقيفه فحسب ، و لا سيما عندما يتناول المؤلف الذاكرة الصوتية ، وهي تسمية أعطاها للإدراك السمعي الإنساني ، الذي قسمه إلى قسمين : ألأول اسماه شاشة العرض والمراقبة و آلة المتابعة الآلية للصوت ن و الثاني أسماه شريط التسجيل الكامل للصوت ، حيث بفعلهما يكون للإنسان الموقف المناسب من المسموع فتحدث بذلك الأحاسيس المؤاتية له فيحصل الفرح أو الحزن أو الغضب أو الهدوء إلى ما هنالك من الأحاسيس البشرية .

           و وصل الشمول في العطاء الفني في كتاب " ألصوت البشري آلة عبقرية " إلى عرض و شرح نظامٍ إبتكره الدكتور سليم سعد و أبدعه و أعده في التدوين الصوتي غير الموسيقي يكفي بحد ذاته ليكون موضوعاً طليعياً فذّاً . و في هذا المجال تناول الدكتور سعد الرموز التي اعتمد معانيها لينتقل إلى تقديم تمارين إبتدعها على أساس تلك الرموز قوامها وغايتها : ألتعرف إلى التنفس ، إصدار الصوت ، ألتعرف إلى الحدود الصوتية الذاتية بالدرجات ، ألتنقل على الدرجات الصوتية ، تقويم السمع ، إختيار التنقل على الدرجات الصوتية ، ألبداية الصوتية ، ألقوى الصوتية ، ألسلم الموسيقي و القوى الصوتية ، أداء السلم الموسيقي ، إستخراج الدرجة الوسطية من السلم الصوتي .

           و من أطرف التمارين ذلك التمرين الذي يختار فيه الدكتور سليم سعد جملةً لغويةً من الفصحى والعامية و يعرض قراءتها على درجات السلم الموسيقي كافةً ، متخذاً على سبيل المثال بيتاً شعرياً للشاعر الياس أبو شبكة :

لُبْنانُ يا ريفَ السَّماءِ و ثَغْرَها          في كُلِّ شِبْرٍ مِن تُرابِكَ مُلْهَمُ

           فيعرض أداء هذا البيت على سلم الماجور الطبيعي من نوطة دو صفر و على ثماني درجات إنتهاءً بنوطة دو واحد بالأنواع الصوتية الثلاثة و بقوة الصوت القصوى و بغير ذلك .

           في هذا التمرين و غيره إستدرك الدكتور سليم سعد ما لحظته حين تناولت النبر والتنغيم Accent et Tonalitι في كتابي " فن الإلقاء العربي " . و النبر هي كما عرَّفها الفيلسوف إبن سينافي الفن الثامن ( ألخطابة ) من كتابه الشفاء ، هي هيئات من النغم مدِّيَّة غير حرفية يبتدأ بها ، تارةً و تتخلل الكلام تارةً و تعقب النهاية تارةً و ربما تكثر في الكلام ربما تقل و يكون فيها إشارات نحو الأغراض ، وربما أعطيت هذه النبرات بالحدة و الثقل هيئات تصير بها دالةً على أحوالٍ أخرى من أحوال القائل ، مستدرجةً للمقول معه ، أو كما عرضها عالم اللغة و الصوتيات جان كانتينو ، هي إشباع مقطع من المقاطع ، بأن تقوِّي إما إرتفاعه الموسيقي أو شدته أو مداه أو عدة عناصر من هذه العناصر في الوقت نفسه و ذلك بالنسبة إلى العناصر نفسها في المقاطع المجاورة و يجدد الغاية بالتميُّز بين نبرة الكلمة و نبرة الجملة .

           لقد لحظت في كتابي " فن الإلقاء العربي " الذي ذكرته أن التنغيم في اللغة العربية الفصيحة غير مسجل و لا مدروس أصلاً . و جاء الدكتور سليم سعد ليستدرك ما لحظته وليكون الدارس السبَّاق و الباحث الرائد في هذا المجال .

           لقد أثبت الدكتور سليم سعد في كتابه " ألصوت البشري آلة عبقرية " ما جاء في كتاب شيشرون الخطيب المشهور ( في الخطابة ) De Oratore  لقد أضفت الطبيعة على كل إنفعالٍ من إنفعالاتنا الطابع و اللهجةَ و الحركةَ الخاصةَ به . و كل ما للإنسان من جسد وهيئة و نبرات صوتية أشبه بأوتار آلةٍ موسيقيةٍ ترن كلما حرَّكَتْها اليد .

           ختاماً

           للدكتور سليم سعد كل التهنئة على إنجازه الحضاري القيِّمِ و له كل الشكر على ما أتحفَ به المكتبة العربية الفنيَّة .

 

عناوين و مختارات من الصحف و المجلات في موضوع كتاب

" ألصوت البشري آلة عبقرية "

1- صحيفة البيرق في 21 نيسان 2000 خبر عن صدور الكتاب .

2- صحيفة الأنوار في 27 نيسان 2000 تحت عنوان" نظام جديد للتدوين الصوتي" و"من التقنية التعليمية إلى النظريات التطويرية " . حيث جرى الكلام عن الإبتكار الجديد لسليم سعد في إحداث نظام جديد لتدوين الصوت البشري غير الغنائي تحت عنوان " نظام سليم سعد للتدوين الصوتي " و هو مسجل في دائرة حماية الملكية الفكرية و الأدبية في وزارة الإقتصاد الوطني اللبنانية . و كان المقال للإعلامي والأديب الأستاذ نجيب البعيني .

3-صحيفة الديار في 29 نيسان 2000 تحت عنوان " ألصوت البشري آلة عبقرية "  بحث علمي لسليم سعد . يتضمن توصيفاً للكتاب مع تعداد ميزاته و جديده في علم و عالم الصوت البشري .

4-صحيفة السفير في 16 أيار 2000  تحت عنوان " ألصوت البشري آلة عبقرية " لسليم سعد – " ألشرق متفوق صوتياً على الغرب " للكاتبة و الصحفية عناية جابر . تحليل مميز يشرح مضامين الكتاب ، خاصة و أن الكاتبة محترفة للصوت الغنائي .

           " ألصوت البشري آلة عبقرية " كتاب سليم سعد ، دكتوراه دولة في الموسيقى ، هو مقاربة نظام جديد في التدوين الصوتي ، نظراً لندرة المراجع في هذا المجال ، و عدم وجود مناهج مخصصة لتطوير وتدريس الصوت البشري ، بإستثناء الغناء ، و خاصة الغربي منه ، ألذي حظي عبر علم الموسيقى بنوع من التقنية التعليمية و النظريات التطويرية . بينما الغناء الشرق   – عربي ما زال يعتمد المنهاج التلقيني والشفوي .

           غير أن فنوناً للصوت ، كالإلقاء الشعري و الخطابي و التمثيلي و التعبير الصوتي غير الخاضع لنغمة موسيقية محددة، تبقى بمنأى حتى اليوم عن علمٍ ينظمها و يسهل نقلها من جيلٍ إلى آخر .

           لذلك أتت مساهمة د. سعد ، أو تأسيسه بمعنى أدق ، لإستيلاد نظامٍ يسهل تدوين وتوثيق الأداء الصوتي بكل أنواعه، و خاصة غير الموسيقي منه ، ليكون في متناول الطلبة الجامعيين ، و للراغبين في تطوير أصواتهم وتوظيفها لخدمة إتجاهاتهم من منشدين و مغنين و مطربين و شعراء و حطباء و محاضرين و خاصة الممثلين .إذ أن الممثلين ، عدا عن تأدية شخصياتهم ، هم تحت إلحاح تأدية كل أنواع الشخصيات المسرحية والتلفزيونية والسينمائية و الإذاعية .

موهبة

           يفتح د. سعد في كتابه " ألصوت البشري آلة عبقرية " على عوالم غاية في الخيال و الدقة والغرابة في آن .فبعض التعمق في مقدرة الصوت البشري يفصح عن علاقة الموهبة الدماغية في الأداء الصوتي بصرف النظر عن نوعية الصوت و خامته . و الخامة الصوتية هي هبة بحد ذاتها ، تماماً كلون العينين أو طول القامة و سواها . و هو قسَّم كتابه إلى 12 فصلاً بحث فيها في أهمية الصوت ، و تشريحه و عناصر تعبيره و إنضباطه الموسيقي و علاقته باللغة ، و الغرائزي منه و المكتسب، و نظام التدوين الصوتي ، والتمثيلي ، و تمارين صوتية في مرحلةٍ أولى و ثانية .

           في باب الأوزان و الإيقاعات الصوتية ، يشبِّه سعد الصوت البشري بالثوت ذي القماش غير متناهي الأطراف ، يتأثر بالضغط الهوائي الذي يداعبه ، فيأخذ شكل حركته . فإذا كانت هذه الحركة قويةً ، كان هو قويّاً أيضاً ، و إذا كانت ضعيفةً أتى ضعيفاً و يتماثل بها في كل حالاتها .

تقييم

           د. سليم سعد في سبيله إلى إيضاح الإيقاع الصوتي من حيث ماهيته و كينونته ، عمد إلى تحديد الإيقاع و الوزن لكل حركةٍ تتصاحب مع الصوت الصادر عنها . و هو فرَّق بين الأصوات المنشدة والمطربة و المغنية في تقييميةٍ بحت علمية فالمغني هو الذي يؤدي اللحن بجودةٍ و بصحة نغمية مطلقة و ممتازة ، ولا يحسن في آنٍ فن التصويت و فن الصوت اللغوي. أما المنشد فهو الذي يمتلك خامةً صوتيةً محدودةً ، غير أنه يؤدي اللحن و النغم بحدٍّ أدنى من الجودة ، كما أنه لا يملك فن التصويت بل يتقن الصوت اللغوي . ثم يأتي المطرب الذي يتمتع بخامةٍ جيدةٍ و يؤدي اللحن بجودةٍ مماثلة ، كما أنه يتقن التصويت و يملك اللغةَ بكل تعرجاتها الصوتية ، فيما اللغة بالمقابل ، لا تتهاون في الخضوع لأي مؤدٍ صوتي تعبيري ، سواء كان خطيباً أو شاعراً أو ممثلاً جيداً أو غيرهم من الفنانين .

           في كتابه أورد د. سعد الكثير من الأمثلة على التمارين الصوتية التي بإمكانها الإسهام الفعّال في إستعمال النفس _ ألتنفس _ و الإستفادة منه في تطبيقه وفق الأصول و بحسب إرشادات أساتذة في هذا المجال مراعاةً لعدم التطبيق الصحيح ، خوفاً من عطبٍ يصيب الأوتار الصوتية أو عاهة تعيق الصوت وتنهيه .

أمثلة

           في تصنيفاته الأصوات الكاملة للمطربين الكبار أورد سعد أمثلةً كثيرةً ضمت أسماءهم و درجة قوة أصواتهم و ترتيباتها الصوتية العلمية . كما فرَّقَ بين الغناء الأوبرالي ، او الغناء الغربي ، و بين ذلك الشرقي. و هو عزا تفوُّقاً للشرق صوتياً على الغرب في شواهد تبحث في أسلوب التصويت الغنائي ، الذي يظهر جليّاً إذا ما قارنّا الترتيل القرآني بالغاء الغربي الرومانسي أو الأوبرالي المحترف . أو الترتيل الكنسي السرياني و البيزنطي من جهة ، و أنواع الغناء الغربي و لا سيما المحترف منه من جهةٍ أخرى ، حيث خلص إلى أن مركز الإنتباه والتفريق هو في مصدرية الصوت المتناقضة بين الإثنين .

بالرغم من مداخل تقنية مشتركة بين الشرق و الغرب ، إلى علم و تطبيق الأداء الصوتي البشري التعبيري، فإن الخصوصيات و التمايزات تبقى كثيرةً . فالغناء الأوبرالي هو إحترافي أقصى في تعبيره الصوتي العالمي، و هو متلازم بولادته مع النهضة الحضارية في أوروبا في القرن السابع عشر حيث ازدهرت الفنون كافةً ، ومنها الموسيقى و فنونها الغنائية . أما الغناء الشرقي فلا يختلف مع الأوبرالي من حيث النغم أو الدرجة الصوتية ، بل في التصنيف المقامي و السلالم الموسيقية بينهما ، بالإضافة إلى فارقٍ جوهري هو " ربع الصوت " المميز في الغناء الشرقي ، و غير الموجود في الأوبرالي.

 

حضارات

           فوارق تدل على حضارتين متميزتين و مختلفتين إلى حدٍّ بعيدٍ في محتواهما الثقافي و الفني ، كما تتواجد بجديةفي كل أنواع الفنون بين الشرق و الغرب ، و بخاصةٍ بين الغرب الأوروبي و الشرق العربي .

           لا مجال لتعداد الشروح و الإسهامات التي أضاء عليها د. سعد في كتابه هذا . غير أنه في محصلةٍ دسمةٍ ، إستطاع إرساء معلومةٍ تقنية و إن شابتها عاطفةٌ شخصيَّةٌ ، أغنت الكتاب و خففت من جفاف المادة العلمية ، التي تسم هذه الأنواع من البحوث و المساهمات .

                                                                       عناية جابر

5- صحيفة النهار 24 أيار 2000   تحت عنوان " ألصوت البشري آلة عبقرية " مع صورة للغلاف الأول من الكتاب و وصف لمضامين البحث الجيد هذا .

6- صحيفة السفير في 1 حزيران 2000  خبر عن الدعوة لتوقيع الكتاب .

7- دليل النهار 9 حزيران 2000  تحت عنوان " الصوت البشري آلة عبقرية "   – سليم سعد: مادة جديدة تنشر للمرة الأولى في لبنان . مع صورة لحفل التوقيع الأول و صورة للغلاف الأول وإشادة بالعمل العلمي الجديد . و ذلك بعد حوارٍ أجراه ألبصحافي الأستاذ سمير كامل مع المؤلف حيث أبدى المحاور تحليلاً قيماً للكتاب .

8- مجلة الحكمة – العدد الصادر في نهاية حزيران 2000  وصف للكتاب وصورة للغلاف .

9- دليل النهار  في 11 تموز 2000  خبر و صورة عن حفل التوقيع الثاني الذي جرى في بقعاتا الشوف بدعوة من مجلس إنماء قضاء الشوف .

10- صحيفة الأنوار في العددين 21 و 23 تشرين الأول  2000 في بحثٍ معمَّق للدكتور شفيق البقاعي  – أستاذ متقاعد في الجامعة اللبنانية لمواد اللغة والأصوات اللغوية والألسنية وباحث في النقد الجمالي و الأدب المقارن العالمي و العلوم الإنسانية واللسانية. وهذا نصه بقسميه :

عنوانا البحث

1-      " ألصوت البشري آلة عبقرية "  – " من زرياب المغني إلى عبد الوهاب وفيروز"

2-   " ألصوت البشري آلة عبقرية " – تداعيات كتاب في رموزه ومصطلحاته "

 

 

سلطة النص بين المؤتلف و المختلف

           إذا كان للنص سلطته ، فللنقد كما و للنظرية أيضاً سلطتهما ، هل يعتبر كتاب الدكتور سليم سعد "ألصوت البشري آلة عبقرية" مدار نظرية في علم الأصوات و الألسنية؟! من هنا أطرح هذه الفرضية لأصل إلى استنتاج يدلل على ما يمكن التوصل إليه من المعلوم الذي كان مجهولاً في حقيقة الإبداع الفني !

           إذ أن العقل النقدي يراجع دوماً أفكاره ، و يضع الأسئلة جديدة أكثر مما يصوغ أجوبةً ناجزةً أو جاهزة . لأن حركة الواقع في تطوير الأدب ، و الفكر و الثقافة و العلوم ، والفنون ، تدفعه ليكون متماشياً ومتوازياً ، إذا لم يكن سابقاً لها . هذا ما سبقها و بَشَّرَ بها ، لكي يكون هو في وظيفته إبداعياً أو على الأقل طليعياً . و من الأسئلة التي يمكن أن تطرح بهذا الشكل و شأنه هي : هل وظيفة النقد مسألة جدالية ، فيها بحث عن الحقيقة الضائعة ؟! هوذا الأمر الذي ما دام النقد يبحث عنه في مساره الوظيفي !

           بعد هذه المقدمة التي اعتبرتها مدخلاً للسؤال الذي رسمته بعد قراءتي كتاب الدكتور سليم سعد والذي يحمل العنوان " ألصوت البشري آلة عبقرية " ألصادر عن دار الجبل الأخضر للنشر – بيروت نيسان 2000 . فوجدت فيه مشروع نظرية في علم الأصوات من خلال مصطلحاته ، و رموزه التي تنعكس في جدليتها على الألسنية كإسترتيجية لنص له سلطته في القياس و الإشتقاق و البحث المعمق عن السبب للوصول إلى النتيجة العلمية القائمة على المفاهيم التي يرتكز عليها البحث العلمي في ميادينه الخصبة .

           لقد شدتني هذه التداعيات لرغبةٍ كما دفع بي الفضول لمعرفة ما أجهله في تلافيق علم الموسيقى الذي تتحدد إحدى ركائزه في هذا الكتاب . ألذي و باعتقادي الفريد من نوعه في المكتبة العربية من حيث ما بحث فيها المؤلف ، فأعطاه حقه في عمله البحثي . فالمجهول هنا صار معلوماً ، و المؤتلف بعد ذلك غاب عنا من خلال ما تعرفنا إليه عن المختلف

           تراني ما زلت أطرح أسئلتي لكي أرى ما إذا كان المؤلف قد أبدع أو إبتكر شيئاً ما في كتابه العتيد ، أم خرج من فرضيته التي وضع لها الصوت مفتاحاً لكتابه، و المفتاح هنا يستتبعه الإيقاع و الإيقاع يستتبعه اشتقاق أكبر ، و إشتقاق أصغر بمعادلة الماجور و المينور المساوي للعالي و المنخفض . من هذا المدار تتصاعد الفرضية لتخرج من دائرةٍ صغرى إلى دائرةٍ كبرى أي من الصوت الذي هو آلة عبقرية بحسب تسميته إلى الدخول في نسيج دقيق جداً لدراسة تركيب بيولوجية الجسد البشري كظاهرة فيزيولوجية التي يؤكد فيها عن سبب تقنية هذا الصوت إلى ماهيته الرافد من التنفس و طبيعته و علاقته بالرئتين والقصبة الهوائية و الحنجرة و الحلق و اللسان حتى التجويف الأنفي و الشفتين . من هذا الجهاز الجزئي لجسد الإنسان يخرج المؤلف في ثنايا بحثه إلى ملحقاتها ليربطها فيما بعد أو تالياً بأمور قد نأتي على ذكرها في سياق هذا البحث .

دخول المجهول

           إن هذا التعقيد المتشابك دفعني لدخول المجهول في الكشف على الفرضية التي ركز عليها الدكتور سليم سعد على أن الصوت البشري هو آلة عبقرية في الغناء ، و التمثيل ، وأداء النطق في الكلام ، والتعبير، باعتبار أن كل ذلك له إرتباط جدلي في ميدان الألسنية التي هي جزء من النظرية التي إشتغلت عليها خمس سنوات في بحثي حول الأدب المقارن العالمي و مدى فاعليته ، و تفاعل التأثير و التأثر في تلاقي الثقافات والآداب العالمية التي كونت هذه الحضارة التي كانت نتيجتها مباديء العولمة و من ذيولها قد يصبح العالم مقسَّماً إلى فضاءاتٍ و عبرها يتكوكب الوجود الأرضي في إقتصاده السياسي و علاقاته الدولية التي سيطر عليها التكتل تحت فضاء ، تربط كل فضاء بعجلة إقتصاده و إنتاجه وتجارته لتزول عنده الطوائف والمذاهب و الكتل الطائفية و المناطقية . إن الأمر هنا سابق لأوانه حيث لا نقدر أن ندخل في بحث موضوعه تقسيم العالم على غرار الصوت البشري .

           لكن العودة إلى كتاب الدكتور سليم سعد ( أستاذ في الجامعة اللبنانية و تحديداً في كلية التربية فرع تعليم الموسيقى ، و أستاذ هذه المادة في معهد الفنون الجميلة ) أن ما قدمه في كتابه العتيد كان مفتاحاً لبحثٍ محللٍ مستندٍ إلى أدلةٍ تطبيقيةٍ ، من هنا قلت أنه مؤلف فريد من نوعه كبحثٍ مشغولٍ بدقة الباحث المتعمق في نسيج عمله ، و المتمكن من مادةٍ إختص بها . إذ أن الفضول مني كباحثٍ في النقد الجمالي و الأدب المقارن العالمي و العلوم الإنسانية و اللسانية كان هو الدافع لربط الكثير من مادة الدكتور سليم في بحثه مع فضاء اختصاصي ، فالمحاولة قد تكون عنصر تفاعلٍ بين مادة الصوتيات و ما هو منوط بمجال الجماليات والألسنية و الأدب المقارن و لئلا استبق الإفتراض إلى النتائج لا بد من أن نتعرف إلى الباحث و إنتاجه في حقل اختصاصه .

إبن عين زحلتا

           ألدكتور سليم خليل سعد إبن عين زحلتا 1950 الشوف حائز على شهادة دكتوراه دولة بالموسيقى من موسكو ، و دبلوم ماجستير بالعزف على آلة الكمان – فيولا من المعهد نفسه ، و شهادة الدراسات العليا من أرمينيا السوفياتية و هو اليوم أستاذ مساعد في ملاك الجامعة اللبنانية .

           إن سيرته الذاتية تقول أيضاً عن مؤلفاته و أبحاثه إضافةً إلى هذا المؤلف العتيد الذي يقع في 305 صفحات من القطع الكبير . هناك في الجانب الآخر له في نفس الحقل ما أغناه بأبحاثٍ و مؤلفاتٍ منها :

 1 - " آلة الكمان – ماضيها و حاضرها "  2 – " ألموسيقى عقل و حضارة " ماهيتها ، تاريخها و غاياتها  3 – " آلة العود عند العرب و سائر الشعوب الشرقية "  4 – " مدخل إلى علم و بحث و تشريح الصوت البشري "  5  – " ألموسيقى الأرمنية و جذورها في الموسيقى الشرقية "  6 – " ألإحتكاك الثقافي بين العرب والأرمن في القرنين 19 و 20 "  7 – " من الصوت الغنائي إلى الصوت التعبيري "  مروراً بتأليفه 55 أغنية شعبية و طربية و كلاسيكية و 9 أغنيات إعلانية و 7 ألحان لسبعة أفلام فنية للتلفزيون .

           من هذه الأرضية الخصبة تتعدد المفردات و المصطلحات و الرموز في أدبيات الدكتور سليم سعد، لأن ميدان أبحاثه يقوم على مصادر الإشارات و مغازيها و ما تحمله من معانيها ، في حين يبقى الأدب في نثره و شعره هو الأقرب إلى الأذهان البشرية حتى و لو لم تتعمق في رسم المصطلحات كالنوتة مثلاً في الموسيقى و الألوان في الرسم ، و حركات القدود و الأرجل في الرقص و ما شابه ذلك فيما تقوم عليه سائرالفنون . من هنا أقول : إن المؤتلف و المختلف هو قرين المعلوم و المجهول لدى الإنسان العادي والمتميز بالمعرفة بحسب موقعها و المهتم بها . ترى هل يجوز لهذا أن نسميه إبداعاً و ما درجت عليه المعرفة و قد غابت عنه الدهشة قد يصبح عادياً ؟ لن أعطي إجابةً لأن العلم له الحق في الإقناع كوسيلة لإظهار المهارة بعد التجربة ن و الممارسة في إقامة التمارين التي لا بد منها لأنها تكسب صاحبها الأداء الصحيح حتى التنويع في العطاء وصولاً إلى الإبداع !!

           و إذا ما دخلنا في أسرار هذا الكتاب لوجدنا فيه عالماً مختلفاً في قسمه عن إختصاصنا ، و مؤتلفاً في قسمه الباقي . و من تداعياته العلمية في إتلافه بحور الشعر العربي التي ركز عليها المؤلف كدليل بين الحركات و السكنات هي مواقع للإيقاع و النوتة اللحنية . و لكن هذا لا يعفينا من القول بأن الكتاب يعبر عن رحلة معقدة لها أكثر من صلة في أكثر من علم من العلوم الطبيعية و الكونية و الفيزيولوجية و التركيبية واللغوية و المعرفية و النحوية و ما شابهها من علوم كالرياضيات و الهندسة و الوراثة و هَلُمَّ جَراًّ . إنما تبقى الإشارات و الرموز التي يدقق بها الدارس يبقى لها الحل من خلال معرفة مفاتيحها و تركيب جملها ومقاطعها أو عباراتها اللحنية . من هنا يأتي الكتاب على موجاتٍ و ذبذباتٍ في تركيبه المنهجي . حتى و كأنه مختلف عما ألفناه في عملية التأليف الأكاديمي ، أو غيره .

           إن المؤلف له فضاؤه المعرفي مارس فيه عمله البحثي على هذا المختلف . إذ أن متن الكتاب لم يعد مكتفياً بمفتاحه للولوج إلى مادة البحث ، بل تحامل عليه أولاً بأن يلغي منه القيد بالأبواب و الفصول على طريق الشكل . لقد افتتحه بأقوال من المؤلف في وصف الصوت البشري كما جاء في بعضٍ منها معتبراً إياها أقوالاً مأثورةً :

ألصوت وسيلة أولى

           قال : " ألصوت البشري هو النذير الأول للإنسان ، و هو الوسيلة الأولى و الأهم في التعبير عن الفكر و الأحاسيس و فعل الجمال و القيم العليا " ليختمها بقولٍ آخر : "ألصوت البشري آلة عبقرية غير محدودة القدرات التعبيرية و لا تقف عند حدٍّ ، بل تتطور مع الزمن ، و تتعاظم في عطائها الحضاري من الجميل إلى الأجمل " ( ص 4 ) .

           و بعد هذا يكتفي بمقدمة موجزة يربط فيها الصوت يالغناء الذي سيقوم على النظريات و ما حظي بمادة هامة ترافقه و هي الموسيقى دون أن يستثني من هذه العلاقة وظيفة الصوت في خدمة الإلقاء الشعري ، و الأداء الخطابي ، و التمثيلي ، و التعبير الصوتي غير الخاضع لنغمةٍ موسيقية محددة . إذ أن الصوت هنا يبقى هو الوسيلة الإرسالية الوحيدة لترجمة خفايا النفس و التعبير عن الفكر و الإحساس البشري .

           و إذا كان الشكل بمظهره خادماً لتفاصيل الكتاب بكل جزئياته التي توزعت وتنوعت في نطاق 68 جزءاً أو عنواناً ، إعتبرتها محطاتٍ أو موجاتٍ متلاحقة لا تنفصل في جوهرها من حيث الإسناد العملي . وهنا أدلل ناقداً على منهجيته التي تجاوز فيها ما قد أعطى لمسمياته في رقم 3 ص 302 عنواناً هو " فصول البحث " دون أن يعطي لهذه التسمية أي فصل في كتابه ، بل جاءت العناوين بكل عنوانٍ له رقمه من المطلع حتى الخاتمة التي ليست بخاتمة الكتاب كما هو العرف بل هي لائحة المراجع . لن أتوقف عند هذا الخلل المنهجي ، بل سوف أعطي للمضمون الهم الأكبر ، لأنه فعلاً يستحق الدراسة بكل إمعان ، حرصاً على الإجابة كردٍّ موضوعيٍّ على السؤال الذي طرحناه في مطلع هذا البحث عن الفرضية التي إنطلق منها المؤلف، و هل يمكن أن تشكل نظريةً في حقل إختصاصه ؟!

           إن خفايا المختلف معنا ، و المؤتلف عنده ، جاءت تداعيات المعادلة فيما قلناه حول المعلوم عنده و المجهول عندنا و هذه ( ألعنده و العندنا ) هي الفارق بين من أتقن علوم الطوطميات القائمة على الرموز و الإشارات و المصطلحات كما هي الحال في علم الموسيقى ، إنها سرٌّ من الأسرار لا يدرك معانيها إلا من دخل في تعلمها و أتقن كنه الأبعاد التي تقوم عليها ركائزها حفظاً إلى جانب ما امتلك من موهبةٍ و ميلٍ ومهارة الخلق في ميادينها وصولاً إلى الإبداع . ( يتبع نهار الإثنين : ألصوت في تداعيات كتاب ) .

 

" ألصوت البشري ، آلة عبقرية " ( 2 )

تداعيات كتاب في رموزه و مصطلحاته

" ألصوت البشري آلة عبقرية " كتاب للدكتور سليم سعد قرأه الدكتور شفيق البقاعي (ألجامعة اللبنانية الأميركية ) قراءةً نقديةً تفسيريةً ، و الجزء الأول من دراسته صدر في صفحة السبت 21\10\200 ..

           أما الثاني ( ألخلاصة الطبيعية لتداعيات الكتاب و رموزه ) فهو الدلالة التي ترى في هذا الكتاب المثلث الأبعاد ، إبداعية للبحث عن الصوت البشري و استنطاقه نصاًّ ، من خلال بعض الثوابت الغنائية الكبرى في تاريخنا الماضي و المعاصر ، و لأن الصوت خامة مهمة . يكتب في الجزء الثاني و الأخير الدكتور البقاعي ما يلي :

ألصوت خامة مهمة

           فالصوت البشري خامة مهمة و لكنه يبقى في الأداء غناءاً ، و إلقاءاً ، و خطابةً ، و تمثيلاً ، وتعبيراً في حدود العلم المتقن ،لأنه وسيلة للنداء ، و الغناء ، و التكلم ، و الإلقاء و الأداء الإذاعي في أي مكان ، لأن التعبير الصوتي بالضرورة دخل في حيز النظرية ، لأنه خاضع أو ما دام خاضعاً ، للبحث العلمي ، له قوانينه و موازينه و مقاييسه و مصادره البشرية الصوتية ، و مراجعه كما هي في سائر العلوم كالهندسة و الطب و الحقوق ، والحساب و الفيزياء و الكيمياء و ما شابهها .. إن المذيع هو حقل مهارة وممارسة و إختصاص ليس الصوت وحده الركيزة عنده بل اللغة و اللفظ و جودة الصياغة هكذا المطرب المؤدي ، و المؤذن و المرتل و ملقي الشعر و الخطيب ... بإختصاص من هذا يكون الفرد قد أصاب رزقاً وإحترافاً . فالصوت له علاقة وطيدة بكل التفاعلات التي تشترك مع مقومات الحياة في الواقع الحي . لذلك لم تكن المسألة في بحثها جديدةً بل هي إستمرارية على سنَّة التطور .

           فالدكتور سليم و غيره ممن حاولوا منذ سالف العصور ، و على كل المستويات في البحث كما فعل سابقاً : ألعالم اللغوي إبن جني ، و المطرب العباسي زرياب ، و الفيلسوف الكندي و بعده الفارابي ، وعالم الطب إبن سينا ، و العالم صفي الدين الأرموي وصولاً إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض و هو القائم على موسيقى الشعر بكل أوزانه ، و هو العالم الموسيقي و اللغوي في آن و الغارق في علم طبقات الصوت  ، مروراً بالعالم النحوي ألزمخشري  ، و أبو الأسود الدؤلي واضع علم الحركات بكل علاماتها على المفردة : رفعاً و نصباً و جرًّا و جزماً ...

           حتى الأصفهاني الذي جمع ما تسنى له من إحاطة بهذا العلم الطموطي المُرَمَّز في كتاب الأغاني أن هؤلاء و سواهم كانوا فاتحة الطريق لتحليل علم الأصوات فيأتي اليوم الدكتور سليم سعد في كتابه العتيد رائداً في عصرنا من الروّاد الذين يطورون مفاهيم هذا العلم بضوء تطور آليات و مفاهيم و سمات العصر ليقدموا لنا البراهين القاطعة بأن هذا العلم ليس جامداً ، بل هو الروح التي تسري في جسد الحياة و حركتها كيفما تقدمت ، لأنه علمٌ من العلوم الإنسانية القابلة إلى التجدد و الإبداع .

           و إذا كان الموروث الذي لا يتسع المجال للعودة إليه ، فكان هو السند الذي يحمل بصمات العصور ، التي حقق فيها البناة ما قدروا عليه ليتابع المعاصرون ، بتقديم ما وسعوا عليه من علمٍ و ثقافة ، ليكون عملهم سنداً آخر للأجيال القادمة .

           من زرياب المغني إلى عبد الوهاب و فريد الأطرش و أم كلثوم و فيروز و صباح و وديع الصافي و رياض السنباطي و غيرهم مسافة الزمن و فضاء التبدل و التطور في حقل الغناء و الموسيقى و الصوت ، كأنما الفن ميدان الحياة يمثله هؤلاء و أمثالهم في طرائق الأداء أمثال بافاروتي و أشباهه من أصحاب الحناجر الصوتية النادرة بما تؤديه من اداء مدهشٍ ، كلٌّ حسب طبقاته الصوتية و درجة ذبذباته الموجية في المسافة والقياس .

           هكذا و بعد هذا التداخل التحليلي لا بد من الدخول في جوهر الكتاب لمعرفة مسافاته المترابطة من أجل الخروج منها بالإستنتاج العقلي الذي يحمله المنطق النقدي كسلطةٍ يواجه بها سلطة النص الذي أنتج من خلال تداعياته المعروضة كرأيٍ و رؤية قد تتلامس بنظرية أو وجهة نظر تنتظر النضج بتكاملها مستقبلاً .

تداعيات كتاب

           إن التداعيات التي رَكَّزَ عليها المؤلف في كتابه كان معظمها حول الصوت الذي يبقى عنوان الكتاب و الفرضية التي يدور في فضائها بحثه . إذ لانعجب ، و قد أحصيت لأكثر من 37 محطة فيها عن الصوت . بدءًا بأهمية الصوت البشري و مروراً بتشريحه فيزيولوجياً و تقنياً إلى ماهيته التي تتشكل من الجهاز الخماسي الأجزاء : و منه التنفس وطبيعته عبر الرئتين و القصبة الهوائية وصولاً إلى قاعدته في الحنجرة .

           لكن العناصر العشرة التي يتركب فيها التعبير الصوتي لهي على تعقيداتها القياسية و الوزنية لا يمكن ذكرها إلا بالإحالة إلى الكتاب لمن أراد الإهتمام بذلك . و حتى تقنية إصدار الصوت التي تقوم على 18 جزءًا يبدأ فيها بعملية التنفس وينتهي بالمينور والماجور بالأوصاف الثلاثة لهما : الطبيعي ، ألهارموني و اللحني . و هذا ربطه بالسلم الصوتي ونوعيه : المنضبط والمطلق و درجاته حتى يدخل في تحليل القوى التي تؤثر على تغييره . أما الربط الذي سأصل إليه في هذا المقياس فهو أوزان الشعر و بحوره التي يجعل من مقارنته لها بالوزن و الإيقاع مادةً أعادت لبحثه صلةً بالجرس الموسيقي الذي يجعل بالضرورة جدلية الحركة و السكون في كلا النغمين متخذاً من النوتة مصدر الإيقاع بين الحركات و السكنات ، كما هي الحال في تقطيع الأوزان العروضية كتقطيعٍ إيقاعي ، و هنا يقول في حاشية ص 64: ألتقطيع الموسيقي – الإيقاعي نوعان : ألأول بسيط و يعتمد على التنويع الذي تفرضه القراءة البسيطة و محدود في مراميها اللحنية ، و الثاني مركب ، و هو يعتمد على التنويع الصوتي في القراءة التعبيرية و هو ما يسمى بالتلحين الصوتي الموسيقي . و هذا لا يعني إنفصال التقطيع البسيط عن الموسيقى ، إنما المحدودة اللحن و الملتزمة بإيقاع القراءة خاصةً الشعرية منها ... " ص ( 65 ) .

رموز و مصطلحات

           إن الرموز و المصطلحات التي زين بها الصفحات من الصعب إقتباسها كشواهد لكنها ضرورة ماسة و ملازمة لشرحه التحليلي لمادة الموسيقى و مادة الصوت . و يكفي أن أذكر فقط ما حدده في ( ص 35 – 36 ) من أنواع الصوت التي يربو تعدادها على 31 نوعاً: كالشجي ، و المقمع ، و المصلصل ، والرطب ، و الصياحي ، و النابي ، و الرخو وهلمجراً . و لكل نوع له قياسه و صفاته التي شرحها بإفاضة ... !! فالصوت الذي يتداخل عمله بآلة السمع لا ينفصل واقع الصوت عن جدلية ربطه بالطعام و أنواعه ، والهواء وقياس الضغط الجوي و طبيعة المكان و مناخه و حرارته . هذا و سواه من جملة التداعيات التي تتيح لطالب العلم الموسيقي كيف عليه أن يبدأ بالصولفيج الذي محوره في درجاته السبع وهي : دو ري مي فا صول لا سي ، مع ما لها من تفرعات في الوحدات أو في أنصافها لأن " لكل  درجة إثنان ( نصفان ) : واحد يحصل بإضافة " دييز " و آخر بإضافة " بيمول " وأحياناً يطرأ تفرع ثالث بإضافة إحدى علامتي التحويل " دوبل بيمول " و " دوبل دييز " وهنا إذا ما التقى التشابه بالمعنى بين ( دو ) و ( ري ) فإن الإختلاف سيبقى في درجة الصوت حتى و لو كانا من ( الماجور ) ( ص 50 ) . إنه من العسير شرح ذلك أبعد في هذا السياق لأن المكان لا يتسع ، إنما و حصراً أقول بناءًا على ما جاء في تداعيات المؤلف حول الأسس العالمية للنغمة الموسيقية كما هي الحال في :

 ألماجور الطبيعي : و هو السلم الأساسي لنغمات و ألحان التعظيم و المفاخرة إذ أن درجاته ثمانية صعوداً وهبوطاً : دو – ري ( صوت كامل ) ، لا – سي ( صوت كامل ) ، سي – دو ( نصف صوت دياتوني ) ، فتكون أبعاد هذه النغمة رقمياً كالتالي : واحد + واحد + نصف + واحد + واحد + واحد + نصف . ( راجع ص 50 – 51 ) .

           و قياساً على هذا يليه الماجور الهارموني و الماجور اللحني ( ألميلودي ) ، ثم المينور الطبيعي ، و المينور الهارموني بالطبع مع إختلاف في أبعاد السلم رقمياً . و هنا لن أدخل في معضلة تراكيبه لضيق الوقت . و الدكتور سليم يصنف الأصوات عالمياً فمنه كما قال : 1- سوبرانو للأصوات النسائية الأكثر حدة. 2- ميتسو سوبرانو للأصوات المتوسطة الحدة نسائياً . 3- و هناك آلتو للأصوات الوسطية لدى الأولاد . 4- كونتر آلتو للأصوات البشرية دون الوسطية لدى الرجال . 5- تينور للأصوات الرجولية الحادة . 6- باريتون للأصوات المتوسطة الحدة . 7- باص للأصوات الرجولية المنخفضة . 8- كونتر باص للأصوات الرجولية دون المنخفضة ( ص 56 ) . إن لكل هذه الأصوات ذبذبات في النوتة وطول الموجة سواءًا عند الرجال أو عند النساء و الأولاد ... إن هذه و سواها تتقاطع عنده حتى نصل معه إلى بحور الشعر العربي وأوزانه التي جعل من إيقاعاتها موقعاً للإنشاد . فالبحور الشعرية هي أوزان و إيقاعات حصرها الخليل بن أحمد الفراهيدي و تلميذه الأخفش ب 16 وزناً  أو بحراً ، إرتكزت تقطيعاتها الصوتية على إيقاعاتٍ و رموز و إشاراتٍ في الحركات و السكنات في الفواصل و الأوتاد حتى أخذ كل بحرٍ لونه في اللحن و الإيقاع والنغم، و بناءًا لهذا التوزيع إنبنى اللحن الموسيقي على أثره كإستجابةٍ للتشطير ما بين صدر و عجز ... و هذا كان له علاقة بأنواع الصوت و التقطيع و النوتة و طبيعة كل صوت و ما يناسبه من توقيعٍ و دوزانٍ شعري وموسيقي تبعاً للحنجرة و ملحقاتها و السمع و آليته في الإحساس الصوتي . ( ص 78 ) .

           و هكذا يدخلنا المؤلف في تحاليل فيزيولوجية و بيولوجية التركيب البشري ليعرفنا بأن هذا الإنسان له آلة صوتية عجيبة في الأداء و الخطابة و اغناء و الإلقاء و التجويد وهلمجرا ... ( ص 100) و هذه العناوين قد تكون أبواباً و صفحاتٍ يفتحها للتحليل و الدراسة بين العلة و المعلول وصولاً إلى القياس والجميل و الأجمل .

           هذا لا يعفينا من أن نراه قد صنَّفَ الغناء إلى ثلاثٍ منها : 1-ألبسيط 2-ألمحترف 3-ألكامل . ولكلٍّ من هذه و سواها ملحقاتها في الشرح و التحليل . في حين تبقى هناك الصفحات التي يدخل في ضمارها حول الجهاز الصوتي و تعقيداتهلأن في الأمر أصوتاً مختلفةً منها المُغَنَّى و غير المُغَنَّى . و إذ بهذا الأمر تحتدم أمامه عقدة ( ألزمن الإيقاعي الموزون في الموسيقى ) ( ص 136 ) لتدخل في ضروبٍ من الطوطميات المرموزة و الذي شرحها دون أن يترك القاريءَ يتيه في ضياعه لعدم فهمه كعادي أو غير ملتزمٍ في دراسة الموسيقى .

           و هنا أجد الدكتور سليم في إبداعه قد بلغ ذروةً في وضعه الفرضية موضع التنفيذ في كل ما أعطاه من علمٍ و نظرية " للإيقاعات الموسيقية بتدوينها و ضروبها " ( ص 138 ) لأجد الصفحات العشر (148) بحراص من الرموز و المسميات . و باعتقادي لا يقدر أيٌّ كان علمٍ بها إلا المتضلِّع جداً أو الأكاديمي في حل طلاسمها . إذ أني وجدته قد وضع لكلِّ وزنٍ وحداته . فالوحدة الزمنية و تعني عنده الرموز الموسيقية الإيقاعية و هذه أعطاها رموزها بإشاراتٍ دلل بها على معانيها الفصيحة لدى من يريد تفسيرها . إنها بالفعل مشتقات إلى برعة الضرب إلى مصدر ( فعل ) بناءً لإشارة اليد إنما لها معادلها رمز وإشارة

( Q ) سواء من فوق أو من تحت (  q ) أو مستديرة ( w ) . من هذه التشابكات 31 إيقاعاً بدءاً   ب " هجع " و فوكس و فالس و سربند و دويك و البلدي و الزفة و الشفتاتلي ليصل إلى الشامي ، و القتاقوفتي والمصمودي و المحجر التركي إلى المخمس العربي ليصل إلى المدور الشامي و السماعي و الزرفكند لينهيها بالمربع .

           هذا مع الإختصار للبعض الذي لم نذكره بالإضافة إلى مشتقات البعض الآخر الذي لا يتسع له المجال .إن لكل هذه الإيقاعات سلالم و زينة مدونة و مشروحة برموزها و علاماتها الوزنية و اللحنية . بهذه اللغة ، لغة الرموز و الإشارات يصل البحث إلى عنوان مثير و هام هو " ألإنفصال و التلازم بين الصوت واللغة " ( ص 151 ) . إنه بابٌ جدير الإهتمام لما فيه من معالجة اللغة من منطلقٍ ألسني ، لأنه إعتبر اللغةَ فنّاً مسموعاً ، كما هي بقواعد مكتوبة مؤكداً على أصالتها الصوتية منذ نشئها مع عناصرها و تراكيبها وعلاقتها بالحنجرة مركز الصوت البشري و نبراتها ، مركزاً على الحروف الهجائية و أسرها كمجموعاتٍ متطابقة في الإئتلاف اللفظي عبر الصوت الحنجري و اللساني  و الشفاهي والحلقي و يذهب بعدها إلى توزيع الحروف و مواقعها في لفظها و المعابر التي تمر بها من الحنجرة حتى الشفتين . إنه بابٌ مشغولٌ بدقةٍ وبتحليلٍ محكمٍ .

           ثم ربط المؤلف الصوت بالإحساس البشري لأنه يمثل الصدى للإنفعال و الألم والفرح و الإنعكاس الفطري للأداء حتى يصل مع الإنسان في حياته كلما تطور و تقدم في العمر و النمو يبقى الصوت له آلية منظمة بعدما كان فطرياً .

           هنا يرتبط الصوت بالعقل لأنه يحمل دلالةً مرموزةً كوسيلةٍ تعبيريةٍ لها علاقة بالأدب و الثقافة والحضارة و المجتمع و اللغة . من هنا يذهب المؤلف ليشرح الصوت الموروث و الصوت المكتسب ودرجتهما و أنواعهما حتى إنه يعطي صفةً  مثلاً للصوت البدائي و الصوت المتحضر أي المقتبس والمدروس ليذهب في تفاصيل كل ما جئنا على ذكره و ما سيأتي ذكره ليربطه بالموهبة و الزمن والممارسة و التعلم المنظم ، حتى يعطي لهذا الصوت صفة الصوت الشعبي و الصوت الأكاديمي ( ص 179 – 180 ) ليقرنه بالسمع و الأذن من خلال ذبذباته التي يلتقطها الإنسان بحاسة مثل " ألكلاب و الهررة والخلد " (ص184) . و السمع فيه إختلاف بين المخلوقات كما هي بعد الإختبارات التي كانت من نتائجها ما يلي :  يسمع البشر الذبذبات بين 60 و 13000 هرتز ، أما الكلاب فسمعها بين 40 و14000 هرتز ، في حال الهررة هي أقل أي ما بين 30 و 16000 هرتز ، أما الخلد بعشرة و عشرين ألف هرتز . فللصوت شعيرات إما أن تكون هادئة أو متوترة أو متوسطة الوضع عندها تنعكس في أداء الصوت إما ممتعاً أو مرفوضاً أو مزعجاً أو عادياً وهذا ما يحلله المؤلف في ( ص 185 ) بالحالات الآنفة الذكر ليعطي لهذا الصوت السمع المتطور أو السمع الخام أي السمع الريفي أو البدوي ، و هذا يحدد الموهبة السمعية ( ص 189 ) التي تحمل وظيفة الإلتقاط أو التخزين أو الإستذكار في حالة الوعي أو عكسها . و يمثل هذا الربط فالسمع عنده لا ينفصل عن الصوت ليس موسيقياً و حسب بل كآلةٍ تتمم الوظيفة للأخرى .

           هذا الربط له علاقة بالإحساس و العقل و كلاهما في الراٍس المركز الأساس لميزة المخلوق .

           إن الكتاب في الواقع مكنوزٌ ثقافيٌّ ، و علمٌ مهمٌ جداً بكل تفاصيه و الإستطرادات التي جعلت المجهولَ معلوماً و المختلفَ مؤتلفاً يحمل نَصُّهُ سلطةً نافذةً طبَّقَ فيه فرضيته لنظريةٍ متكاملة الحواشي بي التنظير و التطبيق . فيه باب الشروحات حول التطبيق ( ص 212 – 294 ) . كتابٌ غنيٌّ جدّاً يشمل ما يهم الصوت و الموسيقى العربية و الأوروبية وهو فعلاً إبداعٌ نادرٌ وجودُه في المكتبة العربية ، إذ يغني القاريء و يُعَرِّفُهُ على علمٍ صعبٍ جداً هو علم الموسيقى . هوذا بإيجاز ما يمكن قوله عنه .

           إنه كتاب مثلث الأبعاد يجمع بين : ألمؤتلف و المختلف ، و المعلوم و المجهول ، و اللغة و العلم و الثقافة . تلك هي الفرضية التي أشرنا إليها عنه في مطلع هذا البحث ، كإجابةٍ على سؤال ، ما إذا كان يحمل في فرضيته نظريةً في حقله !؟ نقول أجل ، إنه كتاب إبداعي أجاب فيه مؤلفه عن الفرضية التي بحث عنها في أن الصوت البشري آلة عبقرية .

           هكذا إستنطقت نصاً له سلطته فجاءت سلطة الثقة مجازاً معادلاً للإجابات المحددة.

                   ألجامعة الأميركية اللبنانية    – ألدكتور شفيق البقاعي  

 

11- صحيفة الحياة الدولية في 8 تشرين الثاني 2000 بحث معمق للدكتور شفيق البقاعي تحت عنوان " ألصوت البشري كآلة عبقرية "  .

12- مجلة نادين العدد 1044 من  15 – 21 كانون الثاني 2001  تحت عنوان " ألدكتور سليم سعد في بحث الصوت البشري .. آلة عبقرية " . وصف للكتاب بما يثيره للجدل و ما فيه من جديد جدير بفتح الحوار المفتوح حول الصوت ، خاصة  أن هذا الموضوع نادرة مراجعه و الأبحاث فيه . عرضت تقييمات الكتاب لشلة من المطربين العرب الكبيري الحجم والشهرة مثل أم كلثوم و ووديع الصافي و فيروز و نصري شمس الدين وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب و فايزة أحمد و غيرهم . و كل ذلك بحسب المعايير التي أحدثها الدكتور سليم سعد لقياس عناصر الصوت و تقييمه .

13- صحيفة الشرق في 18 كانون الثاني 2001 تحليل محكم من وجهة نظر صحفية و إعلامية فنية قامت به الإعلامية اللامعة السيدة نضال الأحمدية و الصحافي فادي شبل . واعتبار الكتاب جديداً من نوعه و ضرورةً علميةً للباحثين و الدارسين و الفنانين من أهل الصوت أداءً و سماعاً .

أحاديث و مقابلات إذاعية و تلفزيونية حول الكتاب

1- ألشبكة الوطنية للإعلام  NBN بتاريخ 19 أيار 2000 مع الأستاذ سعيد غريب

2- تلفزيون لبنان TL بتاريخ 27 أيار 2000 مع الأستاذ سعيد ملكي

3- ألمؤسسة اللبنانية للإرسال  - الفضائية  LBCI  في شهر تموز 2000 مع السيدة كاتيا خوري مندلق

4- ألإذاعة اللبنانية في 11 حزيران 2000 على الهواء بالهاتف مع الآنسة راوية عزام

5-    إذاعة صوت الشعب بتاريخ 12 حزيران 2000 مع الآنسة رنده قرانوح

 

            بهذا نختصر ما قيل في الكتاب المذكور ، أما التفاصيل فموثقة في محتويات الوسائل الإعلامية المذكورة والمشار إليها . آملين أن نكون قد قدمنا ما يفيد الإنسانية في حضاراتها وثقافاتها و فنونها نستودعكم الله و إلى اللقاء في أعمال علمية فنية و ، ثقافية و أدبية جديدة .

           و أصبح الكتاب بمنهجه الجديد لتعليم الصوت كمادة تطبيقية ، مرجعاً أساسياً لطلاب قسم التمثيل والفنون الدرامية في معهد الفنون الجميلة بفرعيه الأول و الثاني . كما بدت الضرورة ملحةً لتطبيقه في كل ما يقوم به الممثلون و غيرهم ممن يتعاطون التعبير الصوتي ، لإتباع نظامه التدويني الجديد لتحريك الصوت بالنصوص المطلوبة و بالتغيرات الملازمة له من درجة الصوت و قوته و سرعته و إحساسه و نوعه و غيرها ... .